انطلقت الشرارة الأولى في حرب التحرير الجزائرية في الأول من نوفمبر من عام 1954. ووصلت الأوضاع في فرنسا إلى حالة من التعقيد الكبير أمام التحدي الجزائري الذي لم تستطع القوات الاستعمارية أن تجد له حلا بل انتقل التوتر إلى داخل فرنسا ذاتها. في مثل ذلك السياق جرت دعوة الجنرال شارل ديغول إلى العودة للحكم في شهر مايو من عام 1958.

ما لا يعرفه كُثر هو أن الذين كانوا وراء عودة الجنرال إلى السلطة، إنما كانوا في عداد المؤيدين لبقاء «الجزائر فرنسية». وقد ظل موقف ديغول مشوبا بالغموض خلال الفترة الأولى من توليه الحكم، بل وانتعشت آمال الكثير من المستعمرين الفرنسية بإمكانية الاحتفاظ بالجزائر كمستعمرة فرنسية.

وفي مثل ذلك السياق فاجأ الجنرال ديغول بتاريخ 19 سبتمبر 1959، أثناء بث تلفزيوني، أمام الدهشة الكبيرة لمشاهديه جملته التي كانت حتى آنذاك في عداد المحظورات بل و«المحرّمات» التي لا يحق لأحد التلفظ بها وتخص «حق تقرير المصير» بالنسبة للشعب الجزائري الذي كان واضحا للجميع أن مطلبه ليس أقل من الاستقلال.

ذلك الموقف هو «سر ديغول» كما جاء في عنوان المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا، إنه الموقف «السر» حيال الجزائر والذي يعود إليه المؤلف ليشرح مقدماته وأسبابه بحيث تحمل الصفحات الأولى عنوان «16 سبتمبر: اليوم الذي تكلّم فيه ديغول».

ويسأل ستورا مباشرة: «كيف يمكن فهم مثل ذلك الخيار»؟ وهل «ضحّى ديغول بالجزائر بناء على خديعة أنصاره؟ وهل خسر المعركة ضد رغبته؟ أو هل كان الأمر يتعلق بمسيرة تاريخية كان مسارها قد تقرر مسبقا؟

ما يؤكده المؤلف هو أن ذلك الخيار-السر لا يزال حتى الآن موضع خلاف كبير وعميق بين المؤرخين والباحثين. ويقوم ستورا في هذا الكتاب بتقديم وجهات نظر العديد من هؤلاء المؤرخين، ويجمع الكثير من الشهادات المتناقضة، ويعود إلى شرح الكثير من الأحداث. والهدف دائما واحد وهو محاولة توضيح ذلك السر «سر الجنرال».

إن عناوين فصول هذا الكتاب لها دلالتها على التسلسل التاريخي الذي يقدم فيه المؤرخ تحليلاته، إذ بعد التعرض لليوم الذي تحدث فيه الجنرال، نقرأ بالتتالي عن «1959، السنة الجديدة» و«الأسباب الإستراتيجية للقرار» و«الأسبوع الذي سبق الخطاب» و«ردود الأفعال الفرنسية على خطاب 16 سبتمبر 1959» و«ردود الأفعال الجزائرية، أشكال الاضطراب والمواقف الثابتة» وأخيرا «ما بعد 16 سبتمبر».

ولا يتردد المؤلف في القول ان السياسة الجزائرية للجنرال ديغول كانت إحدى الرهانات الرئيسية لفترته الرئاسية كلها، وحيال هذه السياسة، وفي إطارها، تبلورت الكثير من الأهواء وأشكال الحقد والضغينة.

وكان المنعطف الأكبر في تلك السياسة بالتأكيد إعطاءه يوم 16 سبتمبر 1959 للجزائريين، وبعد أربع سنوات من العنف الدموي والحرب المستمرة، حق الاختيار بين الاندماج مع فرنسا وبين الانفصال عنها. أنصار الجزائر «فرنسية» لم يتأخروا عن إدانة «خيانة» الجنرال لتبدأ مباشرة المواجهة بينهم وبينه.

إن التحليلات المقدمة في هذا الكتاب تميّز بين مرحلتين أساسيتين في رئاسة الجنرال ديغول المعنية. الفترة الأولى هي التي صرّح فيها أمام الملأ في مدينة مستغانم الجزائرية «عاشت الجزائر فرنسية». ثم أعقب ذلك التصريح بجملته الشهيرة في الجزائر والتي كانت موجهة للمستوطنين الفرنسيين وجاء فيها: «لقد فهمت ماذا تريدون». لقد أثار آنذاك غبطة أنصار استمرار الاستعمار. أما الفترة الثانية فهي التي شكلت جملة في خطاب 16 سبتمبر 1959 منعطفها الكبير.

ويرى المؤلف أن هناك الكثير من «سوء الفهم» في التصنيفات التي ترى مواقف الجنرال ديغول حيال الجزائر باللونين «الأبيض» و«الأسود» فقط. المجابهة وحدها هي التي كانت، برأيه، بين تصادم منطقين متناقضين لا يمكن اللقاء بينهما.

فمن جهة كان هناك شعب وليد يريد التخلص من الوصاية الفرنسية، ومن جهة أخرى مستوطنون أوروبيون، فرنسيون، عزّ عليهم أن تضيع منهم بلاد كانوا قد شاركوا، إلى هذه الدرجة أو تلك، في صياغة ما هي عليه.

الأحاسيس المتبادلة بين أصحاب هذين المنطقين تبلورت حول الحقد والضغينة. ويرى المؤلف أن الجنرال كان قد «تعوّد» أن يردد لدى هؤلاء وأولئك ما يريدون أن يسمعوه. وذلك إلى أن أتى اليوم الذي وجد فيه نفسه مرغما على أن يتخذ «قراره» وحيدا، من أجل الخروج من الغموض، مع إدراكه أنه سوف يدفع ثمن ذلك.

ومن الأفكار الرئيسية التي تتكرر في تحليلات هذا الكتاب قول المؤلف بأشكال مختلفة ان الجنرال ديغول كان يرى أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التوفيق أبديا بين حضارتين تقومان على مرجعيات متباينة إلى حد الاختلاف.

وهذا ما تعبّر عنه جيدا الجملة التالية بخصوص الجنرال: «لقد كان يملك حول الإسلام نظرة إنسان يعتقد أن الأمة الفرنسية هي نتاج الحضارة المسيحية. وكانت الحضارة الإسلامية تبدو بالنسبة إليه كحب غريب لا يمكن تمثّله».

بهذا المعنى يتم التأكيد على أهمية «الحاجز الديني»، الواعي أو غير الواعي، الذي جعل امتصاص الجزائر من قبل فرنسا مستحيلا. إن هذا الكتاب ورغم ما يزيد على 45 سنة على استقلال الجزائر يؤكد أن الجزائر لا تزال ذات مكانة «خاصة» في الذاكرة الجماعية الفرنسية، وهو محاولة جادة وجديدة لفهم علاقات الجنرال معها.

الكتاب: سر ديغول: خياره حيال الجزائر

تأليف: بنجامان ستورا

الناشر: روبير لافونباريس ـ 2009

الصفحات: 263 صفحة

القطع: المتوسط