هاجرت الباحثة الإيطالية انجيلا دال فاش إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1978 حيث بدأت دراساتها حول السينما الإيطالية وتاريخها ونالت على ذلك شهادة الدكتوراه من جامعتي «هوليوك» و«ايوا». ومن خلال اهتمامها بالسينما الإيطالية قدّمت دراسات عديدة كان آخرها كتابها بعنوان «ديفا، انكفاء وصعود السينما الإيطالية».

والعنوان «ديفا «يدل على فيلم إيطالي قدّمته السينما الإيطالية الصامتة قبل الحرب العالمية الأولى 1914-1918. ويدل بتعميم أكثر على النجمات النسائيات في تلك المرحلة. وتقدم المؤلفة انطلاقا من هذا الفيلم بتحليل مسيرة السينما الإيطالية في بداياتها من خلال سلسلة من الأفلام اللاحقة.وكلمة «ديفا» يمكن أن تكون لها دلالات عديدة، حسبما تشير المؤلف، ذلك أنها يمكن أن تعني المغنية النسائية الأكثر شهرة في عصرها، أو مغنية الاوبرا الشهيرة، ولكنها يمكن أن تصف «المرأة المتغطرسة أو ذات النزوات الهوائية». لكن بكل الحالات تعود أصولها إلى مفاهيم الآلهة لدى القدماء ومن هذا أخذت مدلولها في اللغة الانجليزية وحافظت على هذه الدلالة باستمرار.

وما تؤكد عليه المؤلفة هو أن الاكتشافات العلمية والتقدم التكنولوجي الذي حققته البلدان الأوروبية عامة كثمرة للثورة الصناعية الكبرى أدت إلى حركة تحديث شاملة للقارة في بدايات القرن العشرين. ولم يكن عالم الفن بعيدا عن تلك الأجواء، بل ترى المؤلفة أن الفنانين، بمن فيهم العاملين في حقل السينما، كانوا من بين أوائل الذين طرحوا مسألة العلاقة بين الإنسان والآلة. وذلك في محاولة للإجابة على السؤال التالي: ما هو معنى الوجود الإنساني في عالم أصبحت تحكمه الآلة أكثر فأكثر؟

وتحدد المؤلفة القول في معرض الإجابة ان نموذج فيلم «ديفا» الإيطالي الصامت كان يمثل «منبرا» حقيقيا من أجل شجب الآلام الاجتماعية التي تعاني منها شرائح واسعة، كما كان يمثل محاولة للبحث عن «أنماط جديدة للسلوك» في العلاقة بين الرجل والمٍرأة.

وهذا ما جرى التعبير عنه من خلال بحث مسائل تتعلق بالإغراء والزواج ومكانة المرأة والعلاقات على صعيد الحياة العامة. ومن خلال هذه المواضيع كلها حاولت السينما الإيطالية أن تقدم رؤية لإمكانية تحرير المرأة واكتشافها لذاتها، هذا إذا لم يكن الأمر يتعلّق بمحاولة خلق أفق «واقعي» لإمكانية التحرر.

وبهذا المعنى ترى المؤلفة أن نموذج «ديفا» شكّل مساهمة ذات طابع تحديثي في منظور رسم صورة «المرأة الجديدة». بل تذهب أبعد من ذلك لتقول أنه ألقى الأضواء على الواقع الاجتماعي في إيطاليا كلها وعلى أشكال دخول «الحداثة» إلى سلوكيات البشر. هذا بالطبع إلى الجانب التأسيسي الذي لعبه كأحد نقاط الانطلاق الأساسية في مسيرة السينما الإيطالية كلها. ومن الواضح أن المؤلفة تركز في تحليلاتها على محاولة تقديم محصلة «نظرية» لما يمكن أن يكون عليه دور النساء في مجتمع تقليدي يحاول الانتقال إلى الحداثة.

إن المؤلفة تقوم إلى جانب الدراسة التفصيلية لفيلم «ديفا» بتحليل 70 فيلما إيطاليا آخر مع تقديم الكثير من المعلومات حول ممثلات إيطاليات شهيرات آنذاك من أمثال فرنسيسكا بيرتيني، وليديا بوريللي وبينا مينيشيلي، وغيرهن اللواتي كنّ يجسّدن المرأة الإيطالية الجديدة،الـ «ديفا». هؤلاء جميعهن أصبحن شهيرات عبر الأدوار المتنوعة التي قمن بنقلها إلى الشاشة.

وتشير المؤلفة إلى أن عالم النجومية الإيطالية كان بالمقابل أكثر هرمية وأكثر ترتيبا من النموذج-الموديل- الهوليودي-. لكن بكل الحالات أولت اهتمامها الأول لتحليل شخصية الممثلات «ديفا» كما تمّ تقديمهن «بصريا» للمشاهدين وك«نماذج ثقافية». ذلك اعتبارا من الفليم غير الوثائقي اّلأول الذي جرى إنتاجه في إيطاليا عام 1905 تحت عنوان «الاستيلاء على روما».

وبعد أن بدأت صناعة السينما الإيطالية بفيلم تاريخي حاولت أن تجد مكانا لها في السوق الدولي الوليد للسينما، لكنها عادت واتجهت بسرعة من جديد نحو التاريخ والدين والأدب والاوبرا باعتبارها كلها «مستودعات للروايات التاريخية».كانت البداية إذن بالأفلام التاريخية، وأيضا بأفلام مكرّسة لشخصية المرأة ومكانتها «إيفا». وعبر هذين المشربين جرى إنجاز العديد من الأفلام.

وما يتم تأكيده أيضا هو أنه خلال العقد الأول من القرن العشرين، لم تأخذ السلطات العامة «الدولة» النساء ولا السينمائيين على محمل الجد»، هذا على الرغم من أن الجميع كانوا قد أدركوا «مصداقية» ما طرحته السينما، والمسرح أيضا، من أدب جيد. وكانت النساء «الممثلات» قد أخذن أهمية أكبر من الرجل «الممثلين» على صعيد الصحف والمجلات المصورة قبل الحرب العالم الأولى. لكن غداة تلك الجرب، انهارت السينما الإيطالية بعد سنوات ذهبية من النجاح.

وفي المحصلة تؤكد المؤلفة أن فيلم «ديفا» قد جرى تكريسه تاريخيا حيث كان «المنعطف» في التعبير عن الانتقال من الأشكال التقليدية «القديمة» إلى الأشكال الحديثة للسلوك ضمن إطار الأسرة وفي العلاقات بين الرجل والمرأة.

وإذا كانت المؤلفة تركز في تحليلاتها على نموذج فيلم «ديفا» ومن خلاله على القضية النسائية في إيطاليا عامة خلال الفترة المدروسة فإنها تستخدم إلى حد كبير معارفها العميقة للتيارات الأدبية والفلسفية التي كانت «تحوم في الأجواء الإيطالية» خلال السنوات التي شهدت ولادة السينما. من هنا تأتي قيمة هذا الكتاب على أصعدة أخرى غير السينما ذاتها.

هذا ما عبّر عنه «شارل موسر» أستاذ الدراسات السينمائية المسرحية في جامعة يال عندما قال: «إن أولئك الذين يهتمون بالدراسات الأوروبية الثقافية وبقضية حقوق المرأة وبفترة بدايات القرن العشرين، وبالنزعات القديمة، وبمشارب أخرى متعددة سوف يجدون في هذا الكتاب قيمة كبيرة.

الكتاب: ديفا «نساءممثلات»، انكفاء وصعود السينما الإيطالية

تأليف: انجيلا دال فاش

الناشر: جامعة تكساس 2008

الصفحات: 310 صفحات

القطع: المتوسط

Diva

Angela Dalle Vacche

University of Texas - 2008