طالت العولمة السائدة في عالم اليوم ظاهرة الهجرة أيضا التي أصبحت بدورها «معولمة» في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين. هذا ما تؤكده مؤلفة كتاب «العولمة الإنسانية» منذ البداية. وتعبد ذلك إلى تعاظم «حركة البشر» التي تضاعفت ثلاث مرات خلال فترة 40 سنة فقط إلى تعميم الدراسة والمعلومات وسهولة النقل والانتقال وفتح حدود بلدان كانت مغلقة حتى الأمس القريب.
وتعتبر المؤلفة أيضا أن هذه الظاهرة تشكل «ملحمة الهجرة الثانية» في العصر الحديث بعد تلك «الملحمة الأخرى الكبرى» التي كانت قد شهدتها سنوات 1880-1930. ويتواجد في العالم اليوم حوالي 200 مليون مهاجر كانت قد ازدادت حركة انتقالهم خلال العشرين سنة الأخيرة بحيث ان جميع مناطق العالم اليوم أصبحت أمكنة لاستقبالهم أو انطلاقهم أو مرورهم.
وتعاظم ظاهرة الهجرة يطرح أيضا عددا من الأسئلة على الدول-الأمم نفسها. ذلك من حيث قدرتها على أن تراقب حدودها وتحدد معالم هوية خاصة فيها على أساس تكوّنها التاريخي. كما أن الظاهرة جعلت من الأفراد المعنيين قوة لها وجودها على مسرح العالم، وخاصة عندما ينتظم هؤلاء الأفراد في إطار شبكات «عالمية» اقتصادية أو ثقافية أو سياسية أو عائلية.
وتتمثل أحد الأسباب لبروز هذه الظاهرة في وجود تباين كبير بين المجتمعات البشرية من حيث مستوى المعيشة. هكذا يتطلع المهاجرون من البلدان الفقيرة إلى الرفاهية التي وفّرها النموذج ـ الموديل ـ الغربي لأبنائه مما يبعث في داخلهم ثمن ذلك حياتهم في بعض الأحيان. وثبت أن بلدان استقبالهم، رغم ما اتخذته خلال السنوات الأخيرة من إجراءات رادعة ومتشددة، وبلدان منطلقهم، ليست كلها في موقع القدرة على ضبط «تيارات الهجرة».
وتشرح المؤلفة على مدى العديد من الصفحات واقع أن المهاجرين يشكلون تحديات حقيقية بالنسبة لمفاهيم السيادة الوطنية والحدود التي كانت قد تأسست عليهما في الأصل الدول-الأمم، وبالتالي غدا هؤلاء المهاجرون يشكلون هم أيضا مؤشرا على زيادة أهمية ظاهرة «حركة البشر» التي أصبحت في صميم «التوجهات الكبرى» السائدة في عالم اليوم.
لكن هذه الظاهرة تتواكب أيضا، كما تشرح المؤلفة، مع مفارقة كبيرة هي أن أبناء البلدان الغنية هم الذين يتم تشجيع «حركتهم» بينما أن ثلثي أبناء البشرية تقريبا محرومون من «حق الحركة» إلى حد كبير. كثل هذا الحق بدأ اعتباره، حسب التحليلات المقدمة، بمثابة «أحد حقوق الإنسان»، كما تنص المواثيق العامة لحقوق الإنسان والعديد من النصوص الأخرى، ومما تم ترجمته في الواقع العملي بأحيان كثيرة في حركات التأييد التي تنطلق في البلدان الغربية لدعم أولئك الذين تنطبق عليهم تسمية الـ «بدون أوراق».
وإذا كان من المشهور عن الولايات المتحدة الأميركية، أنها بلد من المهاجرين أصلا، فإن القارة الأوروبية هي التي تشكل اليوم الوجهة الأولى للمهاجرين من بقية أنحاء العالم. وتحتل ألمانيا المرتبة الأولى بين بلدان استقبال المهاجرين. وكانت قد استقبلت منذ عام 1945 ثلاثة أرباع طالبي اللجوء إلى أوروبا وتضاعف عدد الوافدين إليها منذ انهيار جدار برلين عام 1989، هذا إذا شمل المعنيون المهاجرين ذوي الجنسية الألمانية البالغ عددهم حوالي المليوني شخص، الذين قدموا للإقامة في ألمانيا وللحصول على جنسيتها.
أما فرنسا فهي أقدم بلدان أوروبا من جهة وفود المهاجرين إليها. وكان ذلك خاصة في نهايات القرن الثامن عشر عندما بدت فيها ملامح الانحسار الديموغرافي بينما كان عدد السكان يتزايد، على العكس، في البلدان الأوروبية المجاورة. هكذا جرى دمج، وبالأحرى «تمثّل»، عدة ملايين من المهاجرين على مدى أكثر من قرن والذين كان أغلبهم من العمل. هؤلاء العمال نالوا جميع الحقوق، حتى بالنسبة للذين لم يحصلوا منهم على الجنسية الفرنسية. ذلك حتى عام 1973، أي بعد الصدمة النفطية الأولى مباشرة، وظهور بوادر البطالة، حيث كان أول الضحايا هم من أجيال المهاجرين الأوائل ذوي التأهيل المتواضع، وبعدهم أولادهم على خلفية مواقف لا تخلو من النظرة العنصرية.
وبرزت «مشكلة» الهجرة مع فترة الانحسار الاقتصادي بشكل واضح. ذلك أن النظرة السائدة للمهاجرين كان هو أن وجودهم هو مؤلف فتبيّن أن السواد الأعظم منهم هم بالأحرى من المقيمين «نهائيا»، أول بحكم الامتيازات التي تعطيها لها قوانين البلدان المتواجدين فيها وثانيا بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تعاني منها بلدانهم الأصلية. هكذا أيضا وجدت السلطات نفسها في بلدان الهجرة أمام مسؤولية معالجة وضع «لم يكن محسوبا» بشكل جيد في البداية.
مع ذلك تؤكد المؤلفة على أن أشكالا عديدة من اندماج المهاجرين تتم «دون ضجيج» داخل مجتمعات الهجرة، خاصة عبر بروز «طبقة وسطى» بين المهاجرين الذين يأخذون دورهم في تسيير مجتمعاتهم الجديدة. وأيضا عبر الزواج المختلط الذي ينتشر أكثر فأكثر، كما تدل مختلف الإحصائيات.
لكن بالمقابل أصبح الحصول على جنسية بلدان الهجرة، وهي الوسيلة التي كانت تسعى إليها السلطات العامة فيها سابقا، أكثر فأكثر صعوبة وتعقّدت شروط الحصول عليها إلى درجة لم تكن معروفة في السابق. وفي بلد مثل فرنسا لا يزال باب التمتع بالحقوق السياسية للأجانب المقيمين على المستوى المحلي مغلقا منذ أكثر من 30 سنة، ولا يزال التمثيل السياسي للفرنسيين «الجدد»، أي من أبناء الهجرة في مختلف المجالس المنتجة ضعيفا بالمقارنة مع البلدان الأوروبية الأخرى.
وكتاب تطرح فيه مسألة الهجرة كأحد تحديات هذا القرن الذي قد يتثبّت فيه حق الهجرة كـ «أحد حقوق الإنسان الأساسية».
الكتاب: العولمة الإنسانية
تأليف: كاترين ويتول دو وندن باريس ـ 2009
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
