هزّت الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008 الاستقرار المالي العالمي من جذوره. والأستاذان الجامعيان الأميركيان الأخصائيات بآليات عمل المنظومة المالية المعنيّة،اشاريا فيرال وماتيو ريشاردسون يقدمان كتابا تحت عنوان «إعادة ترميم الاستقرار المالي» الذي يبحثان فيه «كيفية إصلاح منظومة فاشلة»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.والكتاب هو عمل جماعي في واقع الأمر إذ يساهم فيه أيضا طلبة مدرسة الأعمال في جامعة نيويورك تحت إشراف المؤلفين.

يتم البدء بطرح العديد من الأسئلة مثل: كيف يمكن لمنظومة كونية كاملة أن تتكشّف أنها بقدر كبير من الهشاشة بفعل مجموعة من عمليات الرهن العقاري بسبب عجز المدينين عن الدفع في الولايات المتحدة الأميركية. بل ويؤدي ذلك إلى دفع الاقتصاد العالمي إلى الركوع على ركبتيه؟.وكيف يمكن الوصول إلى معالجة هذا الخلل وإعادة الثقة إلى النظام المالي العالمي؟.

وما يتم تأكيده منذ البداية هو أن النهوض الاقتصادي الثابت والقادر على التقدم والازدهار لن يكون ممكنا دون إصلاح النظام المالي «الممزّق». ولا بدّ أن يتمّ أوّلا ترميم الإطار المؤسساتي وتحديد قواعد جديدة صارمة يجري التقيّد فيها فيما يخص السلوك المالي لجميع الدول والمؤسسات.

وبعد مقدمة يتم التعرّض فيها إلى شرح سياق نشوب الأزمة المالية العالمية الضاربة الراهنة، تتوزع مواد هذا الكتاب «بطريقة مدرسية» بين سبعة أقسام يحمل الأول منها عنوان «أسباب الأزمة المالية العالمية 2007 ـ 2009». وتبحث جميعها عامة في السياسة التي انتهجتها المجموعات المالية الأميركية والمبالغة في الإقراض وبالنتيجة تعاظم حالات الرهن العقاري بسبب عدم القدرة على السداد. وكذلك يتم البحث في لجوء البنوك إلى ممارسة «لعبة القوّة».

ويتم التعرّض أيضا لدراسة «المؤسسات المالية» وفروعها والآليات المعقّدة التي مارستها وصولا إلى الأزمة. وخاصة دور المسؤولة بينها عن عملية ضبط قواعد التعامل المالي العالمي. ويأتي في هذا السياق بحث «التنسيق المالي العالمي «في مجال ضبط القطاع المالي.

إن التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب تنطلق من القول أن الأزمة الحالية هي في عمقها مالية والتأكيد أن السبب المباشر هو التضخّم الكبير الذي عرفه قطاع القروض الأميركي. ويتم في هذا الإطار تقديم رقم له دلالته البليغة وهو أنه خلال سنوات 2002 ـ 2007 عرفت العلاقة بين الديون والدخل القومي زيادة بنسبة 100 بالمائة وزادت أسعار المساكن في نفس الفترة بالولايات المتحدة الأميركية بنسبة 11 بالمائة.

ومن الأسباب الأساسية المقدّمة للأزمة هناك الحالة التي وصلت إليها الفقاعة العقارية «قطاع تجارة البناء». لكن ومهما تعددت الأسباب تركّز هذه التحليلات تؤكّد بنفس الوقت على القول أن الحلول هي أوّلا وأساسا ذات طبيعة سياسية.

وسبب آخر للأزمة المالية الحالية يكمن في القول أن الآليات المتّبعة في السوق والمطلوب منها مراقبة المخاطر التي تتخذها المؤسسات المالية لم تقم بالدور المناط فيها بشكل جيّد.ويتم التركيز في هذا السياق على دراسة دور مدراء المؤسسات المالية المعنيّة وما يتقاضونه من مكاسب مادّية مُبالغ فيها على ما يقومون فيه من الأعمال، وهناك أيضا دور التجّار ودور منظومات المحاسبة.والنتيجة التي يتم الوصول إليها في هذا السياق هي أن مدراء البنوك والمجموعات المالية والمؤسسات المسؤولة عن ضبط قواعد التعامل المالي يتحملون قسطا كبيرا من مسؤولية الوضع القائم اليوم على المستوى العالمي.

ولكن مهما كانت الأسباب فإن الأزمة غدت واقعا قائما والسؤال هو معرفة أين تنبغي أن تبدأ مسيرة عملية تثبيت أسس جديدة للنظام العالي العالمي؟.وها ما تتم تسميته في الكتاب بـ «مبادئ التطبيع».

وعلى الصعيد العملي يتم التأكيد أن عملية ترميم منظومة مالية أثبتت عدم فعاليتها تمرّ عبر عدة تغييرات لا بد منها من أجل إدخال تجديد حقيقي فيها وتثبيت أركان النظام المالي العالمي. وفي طليعة هذه التغييرات تغيير دوافع المتاجرين في الأسواق المالية بحيث يتم تعميم مفهوم «المكافأة على العمل الجيّد والمحاسبة على العمل الضارّ». العاملون الذين يقومون بأعمال تجارية وصفقات بيع في البورصة وغيرها بقصد تحقيق أرباح جارية سريعة مع إدراكهم أن هناك خسائر تلوح في أفق المستقبل ينبغي إقرار مبدأ محاسبتهم.

ويتم التأكيد أيضا على أهمية الوصول إلى حساب دقيق للمخاطر حيث أن إحدى أهم وظائف المنظومة المالية العالمية هي أنها تسمح بـ «تقاسم المخاطر» وتتمثّل إحدى الاقتراحات المعروضة في تعزيز دور البنوك المركزية بحيث تكون لها كلمتها على آليات عمل المؤسسات المالية العاملة على «الحلبة» المالية.ذلك على خلفية تساؤل يتم طرحه بأشكال مختلفة في هذا الكتاب ويتعلّق بالأسباب الحقيقية التي جعلت البنك الفدرالي الأميركي لا يفعل الشيء الكثير من أجل منع نشوب الأزمة المالية في أميركا وكأنه كان في دور «المتفرّج».

كذلك يرى المساهمون في هذا الكتاب أنه لا بدّ من فرض مبدأ الشفافية على مختلف العمليات المالية ذات التأثير على عمل المنظومة العالمية كلّها. هنا تبدو ضرورة العمل على إعادة النظر في نهج وسياسات المؤسسات المالية العالمية وفي مقدّمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ذاتها.

والخلاصة التي يتم الوصول إليها من مختلف المقترحات المقدّمة هو أن المقصود ليس بناء المنظومة المالية الأكثر اكتمالا والأكثر تقدما ولكن بالأحرى المطلوب في السياق الحالي هو إقامة نظام مالي متقدّم إلى درجة كافية ولكنه يتسم بقدر كبير من الصلابة.ومثل هذا الهدف يشابه ما هو مطلوب عمليا في مختلف القطاعات الأخرى للنشاط الإنساني.

ذلك على اعتبار أن البشر لا يستخدمون اليوم أكثر الطائرات تقدما من أجل نقل الملايين ين مختلف أصقاع المعمورة. ولكن يتم استخدام طائرات تملك قدرا كافيا من التقدم والتي أثبتت المفاهيم القائمة عليها أنها تمتلك قدرا كبيرا من المصداقية وأنها قابلة للحياة. ثمّ رغم كون أن العالم يعرف اليوم فترة ذهبية على صعيد البحث في المجال الطبي الحيوي فإن الهدف هو بيع المنتجات التي أثبتت بالخبرة أنها فعّالة بناء على التجربة المعاشة. وكتاب عن الأزمة، لكن قبل ذلك هو كتاب عن آليات عمل الأسواق وكيفية ضبط التعامل في إطارها.

الكتاب: إعادة ترميم الاستقرار المالي

تأليف: اشاريا فيرال وماتيو ريشاردسونوآخرون

الناشر: جون ويللي نيويورك ـ 2009

الصفحات: 416 صفحة

القطع: المتوسط

Restoring financial stability

Acharya Viral, Matthew Richardson

John Wiley ? New York - 2009