تسود في العالم اليوم مقولة مفادها أن البترول، هذا الذهب الأسود، هو بصدد وصوله إلى أعلى ذروة من إنتاجه وأن مسيرة انحداره لم تعد بعيدة. ويذهب المتشائمون أكثر إذ يقولون ان العقود الثلاثة القادمة سوف تشاهد انخفاض احتياطياته العالمية بشكل ملحوظ. على العكس يقول المتفائلون أنه لا يزال هناك الكثير من النفط في جوف الأرض وأن تكنولوجيات استخراجه تتحسّن باستمرار. هذا الأفق المزدوج هو الذي يناقشه الصحفي الفرنسي المختص بمسائل الطاقة واستراتيجياتها سيرج اندرلان في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «بدأت مرحلة ما بعد البترول».

ما يؤكده المؤلف في البداية هو أن هناك أجواء من القلق تسود في العالم اليوم على أعلى المستويات. ذلك أنه من الصعب تصوّر احتمال الخروج من عصر النفط. لكن من جهة أخرى هناك إدراك عميق أن البترول يشكل بنفس الوقت من حيث استعماله في مختلف المحرّكات الصناعية أحد أكثر الأخطار تهديدا على البيئة والمناخ، ويطرح المؤلف في هذا السياق عددا من الأسئلة مثل: كيف يمكن الاستغناء عن البترول؟. وما يمكن أن تكون عليه الحياة بدونه؟. وهل يملك البشر البدائل في مجال الطاقة بحيث يمكن الاحتفاظ بنمط الحياة السائد اليوم؟. وما هي الطاقات التي سوف يسير بواسطتها العالم غدا؟.

ويشير المؤلف في معرض الإجابة إلى الاهتمام الكبير التي أبدته الدول المجاورة للمحيط المتجمّد الشمالي المعروف باسم المحيط الأركتيكي في القطب الشمالي من الكرة الأرضية. هذه المنطقة لم تكن تثير قبل عقد من الزمن اهتمام سوى المغامرين والمكتشفين. لكن الوضع تغيّر الآن تماما إذ أصبحت موضع منافسات حقيقية بين الدول المطلّة عليها والمتمثلة في روسيا والولايات المتحدة وكندا والدانمارك والنرويج. وتكاد هذه المنافسة تصل إلى حدود «حرب أهلية جديدة»، حسب تعبير المؤلف.

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الروس كانوا قد رفعوا في عام 2007 أعلامهم على منطقة شاسعة من منطقة القطب الشمالي المتجمّدة وقالوا: «منطقة الأركتيكي ـ المتجمّد الشمالي ـ لنا وعلينا أن نثبت حضورنا فيها». وما يؤكده المؤلف هو أن الروس لا يبحثون في المنطقة المتجمّدة عن الدببة البيضاء ولا يريدون دراسة التيارات البحرية، ولكنهم يبحثون عن مصادر الطاقة،وفي مقدمتها الذهب الأسود.

ويبحث عنها الكنديون الذين اعتبروا أن المنطقة تمثّل جزءا لا يتجزأ من الأراضي الوطنية وقامت السلطات في السنوات الأخيرة بعدّة إجراءات ترمي إلى تعزيز وجودها فيها بما في بناء مراكز للمراقبة وسفن لتكثيف الدوريات. ورأت الدانمارك أن منطقة «غرونلاند» المتجمدة تشكا امتدادا للأراضي الوطنية «تحت البحر». وتسعى الولايات المتحدة بكل جهودها لتثبيت وجودها في منطقة القطب الشمالي عبر الحصول على قواعد.

ويرى المؤلف في هذا كلّه أعراضا واضحة حيال القلق الكبير الذي يعتري العالم بسبب منظور تراجع إنتاج البترول في العالم كمقدمة لنضوبه باعتباره طاقة غير متجددة.ويم التأكيد في هذا الإطار أيضا أن الغرب هو الذي يخشى أكثر مثل هذا المنظور الذي يفرض عليه تغييرا جذريا في نمط السلوك.

وبالنسبة للصين يشير المؤلف إلى أن القادة الصينيين أرادوا أن يجعلوا من الألعاب الأولمبية التي جرت في العاصمة الصينية بكين منعطفا. ذلك ليس على مستوى التفوق على الولايات المتحدة بعدد الميداليات الرياضية فحسب، ولكن أوّل وأساسا، إرسال إشارة للجميع أن الصين قد أصبحت في عداد الكبار وهي بصدد تجاوز القوة المنافسة المتمثلة في الولايات المتحدة الأميركية. لكن يتم الآن تنشيط استراتيجية «الفتوحات البترولية» والبحث عن مصادر الطاقة في جميع أنحاء العالم. ولهذا الغرض أنشأت الصين مجموعتها البترولية الخاصة العملاقة «بتروشاينا».

ويحدد المؤلف القول إن كندا قد أصبحت أحد البلدان الكبرى المنتجة للبترول. ذلك بعد اكتشاف حقول هائلة منه في منطقة البيرتا. وبالطبع أثار ذلك الاهتمام الكبير للمجموعات البترولية الأميركية الكبرى،فهو مصدر طاقة قريب والأهم من هذا صديق بحيث تقل مخاطر استثماره كثيرا عمّا هو الحال في مناطق تعاني من حدّة «الحرب العالمية» للوصول إلى مصادر الطاقة. وكانت مغامرة الرئيس السابق جورج بوش في العراق عام 2003 أحد أسباب زيادة منظور عدم استقرار منطقة الشرق الأوسط الغنية بالبترول، كما يشرح المؤلف. وبالطبع لم يكن صعود الصين و«شراهتها» للطاقة غريبا عن زيادة التوتر.

وما يؤكّد عليه المؤلف، بالاعتماد على ما عايشه هو نفسه في أحدى الاجتماعات بمؤتمر «دافوس» في سويسرا مؤخرا، هو أن أصحاب القرار على قناعة مفادها أن الخطر على البترول ليس مصدره الإرهاب، كما يتصوّر البعض ويصورونه، ولكن الخوف الجيولوجي الخاص بمعرفة كمية الاحتياطي النفطي الذي يحتوي عليه جوف الأرض. مثل هذه الثقة بالمنظومة النفطية العالمية وقدرتها على مواجهة مختلف الاحتمالات تتناقض مع واقع الذعر الذي يثيره مجموعة من القراصنة الصوماليين، كما يشير المؤلف.

ومع القلق على مستقبل البترول برزت أهمية الفحم كمصدر آخر للطاقة بعد أن كان قد تراجع إلى الوراء إثر اكتشاف النفط. والولايات المتحدة هي في طليعة الأثرياء بالفحم في العالم إلى جانب الصين.وأكثر مناطق أميركا بإنتاج الفحم ولاية «وايومينغ» الأقل سكانا في البلاد والهامشية قبل أن تعود إلى مقدمة المسرح بقوّة مع أفق عودة الفحم كمصدر أساسي للطاقة.وإذا كان الأميركيون يدركون، مثل غيرهم، أن الفحم مصدر تلويث كبير للبيئة وضرر فادح للمناخ، فانهم يرون فيه خيارا «صحيحا ووطنيا».

ويكرّس المؤلف صفحات للحديث عن «الثورة الخضراء». ويقصد بذلك تصنيع الإيتانول من الذرة في الولايات المتحدة من الذرة وفي البرازيل من قصب السكّر وفي كولومبيا واندونيسيا من نخيل الزيوت،وبكل الحالات بهدف أن يحل محل البنزين والديزل في خزّانات وقود السيارات. لكن الإنتاج لا يزال متواضعا وتحقق النجاح الأكبر في البرازيل التي بدأت بالتجربة منذ نهاية سنوات السبعينات المنصرمة. لكن «الثورة الخضراء» لا تزال بعيدة.

وفي الختام يشكل خيار «الطاقة النووية» مصدرا بديلا للبترول. وخاصة في أوروبا حيث تتم دراسة الحالة الفنلندية التي عرفت أول مفاعل نووي لتوليد الطاقة. لكن بريطانيا ولجت نفس الطريق وتنوي بناء 20 مفاعلا جديدا وكذلك فرنسا وألمانيا التي هي بصدد سحب قرار بمنع الطاقة النووية في ظل المستشار السابق شرودر وحتى إيطاليا تسير على نفس الدرب. وعموما سيكون في العالم بأفق عام 2020 حوالي 200 مفاعل نووي جديد.

الكتاب: بدأت مرحلة ما بعد البترول

تأليف: سيرج اندرلان

الناشر: سويل باريس ـ 2009

الصفحات: 179 صفحة

القطع: المتوسط

L'après - petrole a commencé

Serge Enderlin

Seuil - Paris - 2009