على الرغم من أن روايات أصيلة ومركبة تكتب بالانجليزية اليوم على يد كتاب شديدي التنوع في اتجاهاتهم، وفي مقدمتهم نديم أسلم، محسن حميد، أمير حسين، محمد حنيف، مشرف على فاروقي، أزهار عبيد ودانيال معين الدين، فإن على سيثي يقدم إضافة متميزة، جديرة بالتوقف عندها طويلاً، في روايته الأولى الصادرة مؤخراً بعنوان «صاحب الأمنية».
هذه الرواية يمكن وصفها بأنها رواية عن الوصول إلى سن النضج تحولت إلى ملحمة عائلية تدور أحداثها في لاهور في تسعينات القرن العشرين. ونحن نلتقي مع الرواية، زكي شيرازي، في مستهل الرواية في مطار لاهور، وقد عاد من دراسته في إحدى الجامعات الأميركية لحضور زفاف ابنة عمه سمر آبي، التي تشكل الوجه الأبرز في عائلته الخالية من الرجال حيث لقي أبوه مصرعه في حادث طائرة، بينما كان زكي في الشهر الثاني من عمره. ويجد زكي نفسه لا منتمياً الآن، وهو المعنى الذي يبرز لنا بوضوح، عندما نكتشف أن فراشه قد أصبح صغيراً عليه الآن، في إشارة رمزية إلى العالم التقليدي الذي هرب منه. غير ان الرواية تعود بنا إلى صباه، لأنها على الرغم من تركيزها على التسعينات إلا أنها تغطي ثلاثة أجيال من الاضطرابات في العائلة وفي لاهور على حد سواء.
وكل شخصية في الرواية تتألق حضوراً عبر صفحاتها، ولكنها في الوقت نفسه تمثل كل منها شريحة اجتماعية، فزكي وابنة عمه سمر التي أمضت جانباً من طفولتها مقيمة في داره، ينتميان إلى الطبقة المتوسطة. وسقف الدار يتألق فيه جهاز التقاط البث التلفزيوني. وثلاجة الدار مليئة بالأطعمة التقليدية جنباً إلى جنب مع المعلبات الغربية. وتمارس سمر التمرينات الرياضية التي تقدمها جين فوندا عبر أشرطة الفيديو، وتقرأ المجلات الغربية التي تقدم طرق وأساليب إنقاص الوزن.
وتمثل نسيم التي تعمل لدى دعدى، جدة زكي، طبقة الأفام وهي الطبقة المقهورة التي يتألف منها معظم أبناء باكستان، والتي لن يقدر لها قط أن تتجاوز حدود هذه الطبقة. وعندما تشجعها زكية والدة زكي على ان تستخدم ما تتلقاه من أموال على سبيل المنحة والصدقة في فتح مشغل للحياكة، فإنها تأبى ذلك، وتقدم ما لديها من مال لزوجها المسرف والغارق في لعب القمار، ومن ثم فهي كما يشير زكي «لقد أظهرت نفسها مجدداً باعتبارها ناسجة للأمنيات، شخصاً لا يرقى إلى شيء».
أما دعدى، جدة زكي، فهي امرأة محافظة ذات إرادة حديدية، تتقبل دورها كإمرأة، وتطالب كل امرأة أخرى في العائلة بأن تحذو حذوها.
ويمثل فضل، عم زكي، الطبقة الإقطاعية الباكستانية، ويقول زكي عن أبناء هذه الطبقة: «كل شيء بالنسبة لهم هو ملكية، الأرض، العمل والنساء. وهم يحظون بالسلطة المطلقة، ويمكنهم القيام بأي شيء يريدونه».
وزكية نفسها نمط عصري وليبرالي ومتمرد من النساء، وهي رئيسة تحرير مجلة نسائية وصديقاتها جميعهن من النساء المهنيات أيضاً، وهن يقدن سياراتهن بأنفسهن ويرتدين ثيابهن العملية وينتعلن أحذيتهن العادية. ويخاطرن بالتعرض للسجن في غمار اعتراضهن على طرد بنازير بوتو.
أما ساري، أخت دعدى فهي امرأة ساخطة على الديمقراطية لأن أرض زوجته انتزعت منه لتوزيعها على آخرين باسم الديمقراطية.
ومن المفاجآت الكبيرة في هذه الرواية أنها على الرغم من أنها تروى من منظور زكي، إلا أن دور النجوم فيها وقف على النساء وحدهن. وليس من قبيل الصدفة أن علي سيثي يقتطف عبارة من كتاب «المسيرة الوسطى» لجورج إليوت يقول فيها: «المهمة الصعبة المتمثلة في معرفة روح أخرى ليست شيئاً من نصيب شاب يتشكل وعيه بصورة أساسية من رغباته».
ونلاحظ أنه على الرغم من أن زكي يتصرف فوق رغباته فيمضي للدراسة الجامعية في الولايات المتحدة، إلا أن النساء في الرواية لديهن مجال محدود للغاية للتصرف وفق رغباتهن.
وفي لحظة تنبض بالرقة من الرواية، نجد أن زكي، الذي يشعر بأنه عبء على أمه وكان السبب في احجامها عن الزواج رغم ترملها في شرخ شبابها، يطلب من ابنة عمه سمر آبي أن تتمنى أمنية، ويبدو الأمر كما لو أنه لا يستطيع أن يحقق ما يتمناه إلا إذا كان بمقدورها ان تحقق ما تتمناه بدورها. وهكذا فإنه يساعدها على تسلق الأسوار ويحافظ على أسرارها، ويستبد به الألم عندما يسافر مع أمه إلى اسبانيا وهو يعرف أنه تركها في الوطن تعاني بمفردها.
ويبدو لنا واضحاً أن القوانين التي أصدرتها المؤسسة العسكرية الباكستانية والتي تتسم بالتمييز ضد النساء تجعل من الصعب عليهن أن يكون لهن مستقبل مشرق. وعندما كانت زكية لاتزال طالبة جامعية بادرها ضابط برتبة بريجادير بالقول: «سيدتي، إنني أنصح النساء مثلك بأن يلزمن بيوتهن ويلتزمن بقواعد السلوك الصحيح».
ومن المؤكد أن حماتها، دعدى، كان حرياً ان توافق على هذا القول. لكن زكية لم يكن بمقدورها ان تعيش على ذلك النحو، وبذلت كل ما في وسعها لتكون حرة.
وقد أدخلت اصلاحات عدة في باكستان منذ ذلك الوقت، ولكن في ريف باكستان تعين على النساء أن يعشن كالإماء في بيوت أزواجهن.
ويلفت نظرنا أن المؤلف بجعل المعاناة الشخصية معلقة بالتخبط السياسي، فعندما كانت دعدى فتاة صغيرة كانت صديقتها وجارتها فتاة هندوسية تدعى أميركا، وقد أجبرت هذه الفتاة على ان تهرب مع عائلتها بسبب الاقتتال الذي اندلع بين الهندوس والمسلمين.
كما يلفت نظرنا أيضاً أن والد زكية الذي هاجر من الهند لأن أمه قررت ذلك قد أجبر على العيش في مخيم للاجئين في باكستان ولم تفلح درجاته العلمية في تحسين وضعه وظل يتعرض للتمييز ضده طوال عمره.
ولأن هذه الرواية هي، في جوهرها الصحيح، كتاب عن الحب والعائلة، فمن المحقق أن كل القراء في كل مكان يمكنهم التواصل معها، خاصة وأنها تتيح لهم إلقاء نظرة عن كثب على بلد لا يكاد يغيب الآن عن نشرات الأخبار في العالم كله.
وعلي سيثي يقوم بذلك على نحو يقدم عبره باكستان عنقاء تترنح بين النيران والرماد، بأسلوب يجمع بين الطرافة، والجاذبية، وهو يمضي بنا من وقائع اليوم عودة عبر التواريخ السياسية والشخصية إلى حياة ثلاثة أجيال، ثم يعود في نهاية المطاف إلى النهاية التي تجمع بين العذوبة والمرارة.
وعلى الرغم من أن «صاحب الأمنية قد حظيت بالعديد من الإشادات على ألسنة وبأقلام العديد من الكتاب، وفي مقدمتهم أندريه ووكر، الكاتب بالملحق الأدبي لصحيفة «تايمز» اللندنية والروائي الباكستاني خالد الحسيني ومواطنه محسن حميد وليا هاجر كوهن وغيرهم كثير، إلا أن الرواية ـ شأن أي رواية ـ أولى تحفل بعيوب عديدة، لا يمكن التقليل من أهميتها أو التغاضي عنها والتظاهر بأنها لا وجود لها.
وربما كان من أبرز هذه العيوب الاسترسال في التفاصيل والأوصاف، بحيث ان القاريء قد يشعر في الأجزاء الوسيطة منه الرواية بأن النثر لا يقوده إلى أي مكان ولا يخدم أي غرض إلا ذاته، وقد لا يكون من المبالغة القول إنه كان ينبغي على محرر الكتاب أن يحذف من الجزء الوسيط منه ما لا يقل عن مئة صفحة، ولئن قام بذلك لما كان القارئ قد أحس بأن شيئاً يذكر غاب عنه.
الكتاب: صاحب الأمنية
تأليف: علي سيثي
الناشر: ريفر هيد، لندن 2009
الصفحات: 432 صفحة
القطع: المتوسط
The wish maker
Ali seethe
Riverhead, London, 2009
432 P.

