تقدم الباحثة جيهان حسن مصطفى في كتابها (الزواج والبيئة في منطقة شلاتين)، دراسة للمنطقة التي تقع في أقصى الجزء الشرقي من الصحراء الشرقية المصرية على الطريق الساحلي بين مصر والسودان، وتضم مدن برنيس وحلايب وأبو رماد وشلاتين، وقد حاولت الباحثة في دراستها التعرف على البعد التاريخي لقبائل المنطقة، وتتبع الأصول السلالية لهذه القبائل الحدودية الهامشية، وقد استلزم ذلك دراسة وافية لمنطقة الدراسة وحدودها السياسية والإدارية وتاريخ العلاقات المصرية السودانية.

حاولت الدراسة أن تعكس واقع هذه الجماعات القبلية من خلال فهم ثقافة قبيلة الرشايدة التي تحكم وجودها في منطقة الدراسة شكلاً من أشكال التباين الثقافي في وحدة جغرافية إقليمية واحدة.فقد اهتمت الباحثة بعادات الزواج ونظام القرابة، كشكل من أشكال التفاعل الدينامى لتماسك وبقاء هذه الجماعات الحدودية، وبيان إسهام النظرية البنائية الوظيفية في الكشف عن دور النظام الاقتصادي في الزواج، كما تساهم النظرية التفاعلية الرمزية في تفسير هذه الاحتفالية وكذلك يرتبط الزواج ببعض عناصر التراث الشعبي، حيث إن الرمز لدى قبيلة العبابدة والبشارية يمثل محور في السياق الثقافي والاجتماعي، كما ساهم الرمز الاعتقادي في احتفالية الزواج والتي ترتبط بالقيمة الجمالية فضلاً عن ارتباطه بالقيم النفعية.

كما اتخذت الرموز أشكالاً في احتفالية الزواج، وقد استفادت الباحثة في دراستها بنظرية المنطقة الثقافية وذلك من خلال التركيز على فهم ثقافة المجتمع المحلى الخاص بمنطقة الشلاتين التي تمثل منطقة حدودية تعبر عن جماعات إنثوجرافية لها أصول سلالية واحدة، وتحمل موروثاً شعبياً خاصاً، وبذلك حاولت الباحثة الجمع ما بين دراسة الإيكولوجية والدراسة الفولكلورية في تأثير التفاعل البيئي، واحتفالية الزواج التي تتضمن بعض عناصر الثقافة الشعبية، كما اهتمت الباحثة بالمدخل السلوكي على اعتبار أن السلوك رمز لهذا التفاعل بين الإنسان وبيئته، .

ويقوم الزواج في مجتمع الشلاتين على الرابطة الدموية والمكانية، فالزواج الأمثل عند الشلاتين هو ذلك الزواج الذى يعيد توثيق صلات الرحم، ويعنى ذلك أن أغلب الزيجات تتم بين أبناء العمومة والخئولة، وكان الزواج من خارج القبيلة محرماً عرفياً. وما دام الأقارب يقطنون بمنطقة واحدة، فإن زواج الأقارب يضمن أيضاً إقامة الزوجية بالقرب من أهلهما، ومن ثم تنشأ معارضة أبناء قبيلة الدراسة الزواج من غير بني قبيلتهم، لأنه يهدم أهم ركنين في الزواج.

وتلاحظ الباحثة ارتباط الإقامة في المجتمع بالتنظيم القرابي من ناحية، والتوزيع الإقليمي من ناحية أخرى، وهو ما يطلق عليه Territorial distribution بحيث يرتبط كل جماعة قرابية بمكان أو إقليم للإقامة محدد، وبحيث يمكن القول إن درجات القرابة التى تنقسم إليها الجماعة تنعكس بدرجة من الدقة في ذلك التوزيع المكاني .

وهناك عامل آخر لا يمكن إغفاله، وهو أن العبابدة والبشارية مارسوا العزلة المكانية والحضارية الثقافية لقرون عديدة، مما جعل تعايشهم مع الثقافات الأخرى أمراً عسيراً ولا سيما عند النساء، فالمرأة الشلاتينية مثلاً لا تحفظ إلا عبارات قليلة من اللغة العربية من خلال الاتصال الحديث، مضافاً إلى ذلك الكثير من الحواجز التى تجعل معايشتها لبيئة مختلفة أمراً في حكم المستحيل.

إن البناء القبلي لمجتمع الشلاتين عبارة جماعات عشائرية تتحدد هويتها وذاتيتها كوحدة بنائية ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً، في منظومة اجتماعية من التعاليم والأعراف التي تحدد شكل تفاعل الإنسان مع بيئته والالتزامات بهذه الأعراف. وبذلك تعد احتفالية الزواج بمثابة الإعلان الرسمي لبداية الارتباط، ليس بين فردين فحسب، بل بين عائلتين، وتقام احتفالية الزواج في مجتمع البحث على مدى سبعة أيام وكأنها تعبير عن ملحمة فلكلورية تعبر عما فيها من رموز ومعان تتحد فيها معطيات البيئة بمظاهر احتفالية الزواج.

الكتاب : الزواج والبيئة في منطقة شلاتين

تأليف : جيهان حسنمصطفى

الناشر : سلسلة دراساتشعبية ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة

الصفحات: 344 صفحة

القطع: المتوسط

محمد الحمامصي