يدخل خالد عزب في كتابه «القدس..المدينة والتهويد» مباشرة إلى صلب الموضوع حول برامج التوطين الإسرائيلية، مع إشارة إلى تعدادات اليهود مقابل السكان العرب والتي أصبحت الآن 230 ألف يهودي يسكنون القدس الغربية مقابل 190 ألفا يسكنون القدس الشرقية. فان المعادلة مرشحة للانقلاب في الأعوام القليلة المقبلة، فابتداء من 2003 صار تعداد السكان اليهود في القدس الشرقية أعلى منه في القدس الغربية وأغلب هؤلاء في القدس من اليهود الأرثوذكس.
وألمح المؤلف إلى أن التهويد الثقافي والإعلامي أحد المحاور الهامة في مخططات تهويد القدس، ويمس هذا التهويد تراث المدينة بدرجة كبيرة ذلك لأنه التعبير الحي عن هويتها، لذا بات التراث هاجسا يمس بصورة يومية المقولات اليهودية الدارجة حول المدينة، بل تحول مؤخرا إلى قلق دائم لدى اليهود. وهم يحاولون من آن لآخر الإجابة عن التساؤلات المطروحة أمامهم حول تاريخ القدس وتراثها ومدى يهوديتها. وللتهويد الثقافي والإعلامي صور شتى، منها التربوي، ومنها ما يمس مفاهيم ماهية القدس وحدودها، ومنها ما يتعلق بتزييف الحقائق التاريخية حول مدى قدسية القدس لدى اليهود ومنها ما يمس حقيقة الهيكل وهل له مكان ثابت مقدس يجب أن يبنى فيه؟استعان اليهود بعلم الآثار كوسيلة لتدعيم تصوراتهم حول القدس فاكتشاف الماضي يوفر عامل حاسم في بناء الهوية السياسية أو تأكيد الحاضر، وهو ما يوفره علم الآثار لليهود، ولذا نراهم يحرصون على أن تكون جميع الرموز الوطنية الإسرائيلية مستمدة من عناصر ذات طبيعة تراثية، مثل شعار الدولة، والأوسمة والنياشين، وطوابع البريد والنقود.
على الجانب الآخر مازال العرب مغيبين في مجال الدراسات الأثرية التي تتعلق بفلسطين خاصة في عصور ما قبل التاريخ التي يركز عليها اليهود حاليًا لإثبات وجودهم في فلسطين بصفة عامة والقدس بصفة خاصة.
بل إن التركيز على تراث المدينة الإسلامي لم يخرج عن الحرم القدسي، لذا بات من الملح الاهتمام بهذا المجال كجزء من الخطاب السياسي الإسلامي والعربي الخاص بالقدس، فوضع خريطة طبوغرافية لتطور عمران القدس من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث أمر حيوي، خاصة إذا أردنا الحديث عن ملكيات الأوقاف الإسلامية في المدينة التي استولت عليها إسرائيل.
ومع توافر الوقفيات الأيوبية والمملوكية والعثمانية التي توضح بالتفصيل الدقيق عمران المدينة في هذه العصور وملكيات الأراضي والمباني بها وبالمناطق المحيطة بها والتي أصبحت اليوم جزء لا يتجزأ من المدينة. إن هذا العمل لا شك سيكون مفيدًا للباحثين وللسياسيين حين حديثهم عن المدينة كجزء من مقدسات وأملاك المسلمين التي لا يجوز التنازل عنها.
إن التصور الإسرائيلي يطرح القدس وكأنها مدينة خالية من البشر والعمران، إحدى دور النشر الغربية عكست هذا التصور حين نشرت كتاب ديفيد روبرت (الأرض المقدسة) وديفيد رحالة اسكتلندي رسم العديد من اللوحات لمصر وفلسطين بين عامي 1838 و1839 وسجل مع هذه اللوحات انطباعاته عن الأماكن التي مر بها، كما يقدم وصفاً معمارياً دقيقاً لكل آثار القدس وأهمها: الحرم القدسي الشريف، باب الأسباط، ومئذنته، باب الحطة، ومئذنة الغوانمة، وحائط البراق، والمسجد الأقصى وقبة الصخرة، والقصور الأموية، وسور القدس، كما قدم شرحاً تفصيلياً لأعمال الترميم الحديثة التي تمت بها.
ويؤكد خالد عزب أن باستطاعة العرب من خلال وثائق القدس وآثارها المعمارية الإسلامية والمسيحية التي مازالت باقية إلى اليوم رسم صورة متكاملة للقدس في العصور المختلفة، وتحديد ملكية أراضيها خاصة ما يقع في ملكية الأوقاف منها. ومما يساعد على ذلك أن الوقفيات وسجلات محكمة القدس الشرعية تحدد حدود كل منشأه وأبعادها والطرق التي تقع عليها ومكوناتها والأراضي التي وقفت عليها إن كانت منشأه دينية أو خيرية أو منشأه اقتصادية تدر ريعًا.
إن هذه الخريطة الطبوغرافية التاريخية ستساعد بلا أدنى شك في استرداد الأراضي التي استولت عليها سلطات الاحتلال الإسرائيلي. سواء في القدس أو في باقي أراضي فلسطين المحتلة. لقد فهم اليهود أهمية وثائق القدس فقاموا في 18 نوفمبر 1991م بالاستيلاء على بعضها من مبنى المحكمة الشرعية في المدينة.
الكتاب: القدس المدينة والتهويد
تأليف: خالد عزب
الناشر: هلا للنشر القاهرة 2009
الصفحات: 171 صفحة
القطع: المتوسط
رباب محمد

