هذا الكتاب يمثل أول محور في مشروع بحثي كبير يسعى للتأصيل النظري للحوار بين الحضارات، يقوم عليه برنامج بحثي خاص في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وتشرف عليه الدكتورة منى أبو الفضل الرائدة في مجال الدراسات الحضارية على صعيد العلوم السياسية والدكتورة نادية مصطفى مدير برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات.

وقد تحدد هدف المشروع في تبيان كيف تكون الدراسات الحضارية مجالا جديدا في الدراسات السياسية، ما استلزم تصورات من متخصصي فروع العلوم السياسية الكبرى عن موضع البعد الحضاري والدراسات الحضارية من رؤى ومنظورات ونظريات هذا الفرع في المرحلة الراهنة من تطور حالة العلم.وقد جرى تقسيم المشروع إلى سبعة محاور يدور أولها ـ موضوع هذا الكتاب ـ حول الحوار ومنطلقاته وآلياته ودوافعه، فيما يدور الثاني حول مفهوم الآخر في اليهودية والمسيحية، والثالث حول الأنا والآخر من منظور قرآني، والرابع حول مقاربة بين الثقافة والحضارة من منظور الفكرين الغربي والإسلامي، والخامس حول البعد الديني والحضاري في العلاقات الدولية، والسادس حول حوار الثقافات والسابع والأخير حول العولمة والإسلام رؤيتان للعالم.

في البحث الأول الذي جاء تحت عنوان «النظرية الاجتماعية المعاصرة نحو طرح توحيدي في أصول التنظير ودواعي البديل» تتحدث الدكتورة منى أبو الفضل عن النظرية الاجتماعية المعاصرة والخصائص الفصلية لها وكيف يمكن إعادة طرحها من خلال رؤية بديلة مما يقدم الفرصة لإثراء الحوار بين الثقافات المتباينة في عصر تجتاحه العولمة. وقد عرضت المؤلفة للمقدمات الفلسفية لعلم الاجتماع المعاصر وبينت أن المحك لأي نظرية اجتماعية يكمن في القدرة على تناول الأبعاد المتشابكة والمركبة للميدان وأن النظرية الاجتماعية لا يمكن أن تستعيد عافيتها وهي رهينة المنظومة المعرفية الوضعية.

وفي البحث الثاني تحدثت الدكتورة أميمه عبود عن أسلوب الحوار وبينت السياقات المختلفة لمفهوم الحوار بوصفه أحد أشكال الخطاب الإنساني الذي يجمع بين اللغة والممارسة والتبادلية والفاعلية والتواصلية والفلسفية والأساليب المتداخلة مع أسلوب الحوار كالنقاش والمجادلة والمناظرة والتثاقف. وفي هذا الصدد أشارت الى ازدياد الحديث عن الحوار بين الثقافات في السياق الراهن باعتباره أحد الأساليب المضادة لعولمة الليبرالية الجديدة وأن الحوار في إطار هذا السياق يعد مجرد مشروع وليس حقيقة قائمة.

وفي إطار تحديدها للسياق غير الغربي للحوار وبشكل خاص العربي تشير إلى أنه واقع مواجهة المشروع الحضاري العربي في مواجهة العولمة. ومن التساؤلات التي تطرح نفسها هنا هل العولمة باعتبارها تحديا فعليا في الواقع هي التي تقف لنا بالمرصاد، أم أن المشروع الحضاري العربي هو الذي يواجه والمواجهة هنا مرادف للمقاومة؟

كما درست الأشكال المختلفة لأسلوب الحوار وتناولت الإطار المفاهيمي والمنهاجي لتحليل الحوار، أي القواعد المنظمة لأسلوب الحوار وآليات تحليله من الخطاب في الاتجاهات اللغوية والتأويلية والبرغماتية والنظريات المتجهة إلى القارئ والاتجاه التعبيري والظواهرتية. وأخيرا بحثت في موضوع الحوار وأطرافه ونتائجه بالإشارة إلى النماذج الحوارية وما تناولته من قضايا رئيسية.

وتخلص إلى التأكيد على أن الحوار الحقيقي شرطه الاعتراف المتبادل حتى يفيد كل المتحاورين من الآخر فينتهي بعد الحوار إلى غير ما بدأ به فلا حوار بلا تبادل أو تفاعل، ولا تبادل دون اعتراف متبادل أي دون الإقرار بحق الاختلاف، فشرط الحوار هو التخلي عن العقلية الدوجماتية لأن منطلق الحوار هو معرفة الحقيقة والإقرار بحق الآخر في الاختلاف والتمايز وغاية أي حوار هو التعارف أي تعرف كل طرف على نفسه من جديد في ضوء معرفته بغيره وعلى نحو يؤدي إلى إعادة اكتشافه لذاته ولغيره فهو ممارسة وتدريب على الاعتراف بالحقائق.

وتضمن البحث الثالث دراسة للدكتور سليمان الخطيب حول أنماط انتقال الأفكار وآلياتها بين التفاعل والاستلاب فتحدث عن الوجه الآخر للحضارة الغربية من حيث المركزية والعنصرية وتهميش الحضارات والثقافات الأخرى وبين منهجية التغريب في تعامله الاستلابي مع الغرب وتخيله عن ذاتيته وثقافته وخصوصيته التاريخية والحضارية. وذكر تجربة الحضارة الإسلامية فيما يتعلق بالمنهجية التي التزمتها في تعاملها مع الثقافات والمجتمعات التي فتحها المسلمون. ووضح الموقف الإسلامي من الحوار مع الآخر وضرورة التفاعل ورفض الانغلاق والتقوقع . وأخيرا أوضح حقيقة الذاتية الحضارية والخصوصية الثقافية بوصفها مطلبا يوفر الحضانة اللازمة للأفكار أمام التذويب والانصهار والهيمنة والاختراق.

وفي إطار رؤية استشرافية يعرض الدكتور سليمان لبعض الظواهر والمحاور التي يمكن من خلالها العثور على نقاط التقاء تسعى إلى التعاون والتفاعل وتجاوز الصراع منها ضرورة إعادة النظر في حقيقة الاستشراق عبر فصائله ومدارسه المختلفة حيث تبرز العديد من البحوث والدراسات الأخيرة بالإضافة إلى جهود قديمة أن هناك من يقوم بدراسة الشرق والإسلام من منطلقات موضوعية حيادية.

ومما يخلص إليه في هذا الصدد ويؤكد عليه أن تجربة الحضارة الغربية تعد درسا خطيرا لفهم مصائر الشعوب والحكومات مستعينا بما يشير إليه مالك بن نبي من أنها مفيدة لبناء الفكر الإسلامي لأنها صادفت أعظم ما تصادفه عبقرية الإنسان من نجاح وأخطر ما باءت به من إخفاق، وفي ضوء أن إدراك الأحداث من كلا الوجهين ضرورة ملحة للعالم الإسلامي في وقفته الحالية إذ هو يحاول ما وسعته المحاولة أن يفهم مشكلاته فهما واقعيا وأن يقوم أسباب نهضته كما يقوم أسباب فوضاه تقويما موضوعيا.

الكتاب: الحوار مع الغرب

تأليف: د. منى أبو الفضل وآخرون

الناشر: دار الفكر دمشق ـ 2008

الصفحات: 216 صفحة

القطع: الكبير

ألفت عبد الله