أجرى موقع «أمازون» الإلكتروني الشهير هذه المقابلة مع الروائي الباكستاني علي سيثي، في ضوء النجاح المدوي الذي حققته روايته الأولى «صاحب الأمنية»، حيث ألقى الضوء على العالم الخلفي الذي نبعت منه هذه الرواية والسر في مخاطبتها لاهتمامات الكثيرين على امتداد العالم، موضحاً أنها في جوهرها رحلة روح لمعرفة روح أخرى.
وأعرب عن اعتقاده بأن باكستان تزداد كل يوم ابتعاداً عن الغرب، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة اقترابها من توجهات المتشددين، وأكد أن على أميركا التخلص من تصوراتها الخاطئة العديدة حول باكستان، مشيراً إلى أن في مقدمة هذه التصورات الخاطئة اعتقاد الأميركيين أن باكستان تنتمي إلى الشرق الأوسط. وفيما يلي نص الحوار:
من هما زكي وسمر ولماذا تعد علاقتهما شيئاً محورياً في روايتك؟
إنهما صبيان ينتميان إلى الطبقة المتوسطة، وهما يكبران في الوقت نفسه والمكان ذاته، وهما ابنا عم، ولكن مع انطلاقهما في مسيرة العمر يمضي كل منهما في اتجاه مختلف عن الآخر، وهذا التباين بين قصة فتاة وقصة فتى يمضيان في رحلتين مختلفتين ولكنهما متشابهتان يكمن في صميم الرواية.
على الرغم من أن روايتك تغطي ثلاثة أجيال، منذ استقلال باكستان إلى عام 2003، إلا أنها تركز بصفة رئيسية على التسعينات، فما الذي كان يحدث اجتماعياً وسياسياً في باكستان خلال تلك السنوات؟
هناك أمور مختلفة كانت تحدث في أماكن مختلفة من باكستان. وفي لاهور كان ذلك وقتاً يسوده السلام، كما كان كذلك وقتا مثيراً، فقد كان حكم العسكريين قد انتهى بعد أحد عشر عاماً وعادت الديمقراطية، وأحس الناس بالتفاؤل.
وكانت هناك لوحات إعلانات في المدينة، وكانت الشركات متعددة الجنسيات تعلن عن منتجات جديدة وأجنبية المظهر، وجلبت أجهزة استقبال البث التلفزيوني عالم الأخبار الغريبة إلى حياة أناس من نوعية سمر وزكي، وكان ذلك هو العقد الذي أعلن فيه الباكستانيون عن قدرتهم النووية، والذي انتشرت فيه المدارس الدينية على امتداد الأجزاء الفقيرة من البلاد، وانعكست هذه التغيرات في حياة بعض الشخصيات في هذا الكتاب. وهكذا كان هذا وقتاً للتغير الاجتماعي والسياسي، وقد أحدث نتائج مختلفة بالنسبة لأناس مختلفين.
بغض النظر عن الرواية، زكي، فإن النساء هن الشخصيات الأكثر أهمية في كتابك، وخاصة أم زكي، جدته، وبالطبع سمر آبي. لماذا اخترت كتابة هذه الرواية في المقام الأول من منظور النساء؟
لقد تخصصت في الدراسات الآسيوية في الكلية، وأمضيت بعض الوقت في البحث عن الفن الكولونيالي وما بعد الكولونيالي، ووجدت أن تجسيدات النساء تهيمن على اللوحات، الأغاني، الروايات، القصائد والقصص القصيرة لذلك العصر. ووجدت أن النساء جعلن تجسيدات لكل ما هو جيد أو سييء فيما يتعلق بالمجتمع، ثم أدركت أن ذلك ينطبق على الوضع اليوم كذلك، من أخلاقيات الإنجاب وفقدان الوزن إلى المرأة الأفغانية ذات العينين الخضراوين على غلاف مجلة «ناشيونال جيوجرافيك».
حيث حولت النساء إلى تجسيدات لأكثر المخاوف إلحاحاً فيما يتعلق بالعالم. وقد أردت كتابة قصة يكشف فيها النقاب عن منظور المرأة باعتباره عملاً من أعمال الخيال، وهذا العمل تعين أن ينتهي بمنح حرية أكبر لموضوع المرأة.
بالمقابل فإن شخصيات الذكور الكبار تغيب عن الرواية إلى حد كبير. هل كان غياب الرجال الأقوياء قراراً واعياً أم كان أمراً أملته مقتضيات القصة التي أردت أن ترويها؟
كان قراراً واعياً. والمقتطف الافتتاحي للرواية المستمد من كتاب «منتصف المسيرة» يدور حول «المهمة الصعبة المتعلقة بمعرفة روح أخرى».
وقد أردت أن يكون لدى رواية لا يستطيع أخذ هويته على أنه أمر مسلم به، كان عليه ان يتعلم أن يخترع أبيه المفقود اختراعاً، ثم أن يتعلم اختراع النساء من حوله، لكي يفهمهن وأخيراً لكي يتقبلهن.
تعيش النساء في روايتك في نطاق واسع من الظروف، من النسوة المهنيات المستقلات إلى النسوة اللواتي لا يزلن يعشن في ظل ظروف اقطاعية، واللواتي يخضعن للسيطرة الكاملة من جانب أقاربهن الذكور، كيف تتغير حالة نساء باكستان اليوم؟
تعرضت حالة النساء الباكستانيات كمواطنات للضرر إلى حد كبير في أوائل الثمانينات من القرن العشرين، عندما تم إدخال مجموعة من القوانين التي تعكس تمييزاً ضدهن كجزء مما أطلق عليه آنذاك عملية «الأسلمة». وكانت حكومات التسعينات المدنية الباكستانية عاجزة إلى حد بعيد عن إلغاء تلك القوانين. وبعضها لم تكن راغبة في القيام بذلك. ودخلت تلك النغمة التمييزية ضد النساء إلى الكتب المقررة، التي درسها زكي في المدرسة الثانوية، وسمعت من خلال المذياع وشوهدت على شاشات التلفزيون، ومضت بلا تصد لها على امتداد عقد من الزمان. ولكن في السنوات القليلة الماضية كانت هناك بعض التطورات الايجابية.
وشملت هذه التطورات انجازات قانونية وقدراً أكبر من البروز للنساء في أجهزة الإعلام الالكترونية حديثة الاستقلال. غير أنه في ريف باكستان، التي واصلت معظم الباكستانيات الإقامة فيه. كانت العادات أقدم من القوانين، واستغرقت وقتاً أطول في تغييرها.
بعد الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة، عدت إلى باكستان، وأنت تقيم مجدداً في لاهور، مسقط رأسك، كيف تراها على نحو مختلف بعد الإقامة في الخارج سنوات عديدة؟
إنني أرى لاهور بشكل مختلف الآن، وقد جعلني العيش بعيداً أقدر الأشياء المدهشة المتعلقة بهذه المدينة، الطبيعة، الإحساس بالتاريخ، التراث الثقافي للمدينة والشعور المتواصل بها كعاصمة ثقافية لباكستان. وقد جعلني هذا نافد الصبر فيما يتعلق بكل ما اعتقد أنه يمكن ان يغيرها إلى الأفضل، المجال المتاح للتحسن في التعليم، المؤسسات القديمة والعتيقة والمتداعية التي تحتاج إلى إحيائها، وخاصة المؤسسات الأدبية التي تحتاج إلى مدخلات جديدة. والمخاوف الأمنية السائدة التي تعرقل مسيرة كل شيء.
لدى الأميركيين اليوم اهتمام أكبر بباكستان مما كان لديها في السابق بسبب دورها المحوري في الحرب على الإرهاب. فمن الذين لهم اليد العليا في باكستان اليوم.. أهم الناس الذين يتعاطفون مع طالبان والقاعدة أم أولئك الذين هم أكثر توجهاً نحو الغرب؟
أعتقد ان الناس في باكستان، بشكل أو بآخر، ليسوا متوجهين نحو الغرب، لكن ذلك لا يعني أنهم متوجهون بدلاً من ذلك نحو طالبان، والناس قد يستخدمون التقنية الغربية ويفضلون الحصول على الدرجات العلمية الغربية عندما يكون ذلك بوسعهم، بل وقد يشاهدون التلفزيونات الأميركية ويستمعون إلى الأغاني الأميركية، ولكن البنية التحتية الباكستانية الاجتماعية لاتزال هي تلك التي أرستها المؤسسة العسكرية في الثمانينات، والتي شجعت الهوية الإسلامية المحافظة اجتماعياً، ولدينا الآن منافذ أكثر للتعبير، المزيد من قنوات الإذاعة والتلفزيون على سبيل المثال، ولكن المعتقدات التي يؤمن بها الناس لاتزال هي نفسها التي قدمت لهم طوال تلك السنوات الماضية.
ما هو سوء الفهم الأكبر الذي يدور في أذهان الأميركيين فيما يتعلق بباكستان؟
سوء الفهم هذا هو اعتقاد الأميركيين بأن باكستان دولة من دول الشرق الأوسط.
ما هو الشيء الذي تود ان يعرفه الأميركيون أكثر من غيره فيما يتعلق بباكستان؟
أريد ان يعرفوا أن باكستان بلد يضم أكثر من 170 مليون نسمة، وأنها متنوعة جغرافياً كالولايات المتحدة نفسها، حيث تضم جبالاً وصحاري ووديانا خصيبة وأنهاراً متدفقة. وأقدم آثارها في قدم التاريخ الإنساني نفسه.
منى مدكور
