دخل كونستتين فيرجيل جيورجيو، القس والكاتب الروماني تاريخ الرواية من أبوابها الواسعة برائعته الشهيرة «الساعة الخامسة والعشرون» التي حازت على «جائزة نوبل في الآداب» عام 1948، وخلدت اسمه في عالم الأدب.
وعلى الرغم من أن جيوجيو كتب العديد من الكتب والروايات إلا أن روايته هذه تميزت عن جميع أعماله بل وطغت عليها لأنه هذا عبّر من خلالها عن آلام العصر في الحروب واختار فترة الحرب العالمية الثانية المضطربة كإطار زمني لأحداث روايته، وهذه الحرب رغم مرور سنوات طويلة عليها إلا أنها راسخة في أذهان البشر ككارثة إنسانية لا يمكن نسيانها بسهولة. وفي روايته، صوّر الملايين من الناس وهم يقتلون بوحشية دفاعاً عن مصالح تجار الحروب.
يصور الكاتب شاباً مزارعاً بسيطاً، وهو جوهان موريتز، يقع فريسة وضحية تحت الاحتلالين السوفيتي والأميركي لأوربا الوسطى حيث تم إرسال جوهان إلى معسكرات التعذيب من قبل ضابط يشتهي زوجته الجميلة، سوزان. في البداية يعامل على أساس أنه يهودي وبعدها تتم تبرئته واعتباره من أصل آري أصيل، ويجبرونه على خدمة القوات النازية كنموذج للدعاية الألمانية في حربها.
ولا تنتهي معاناة يوهان بانتهاء الحرب، بل تستمر آلامه، ويسجن بعد الحرب، ويضرب من قبل الضباط الروس، وتتم محاكمته من قبل قوات التحالف بسبب عمله مع النازيين. وفي الرواية تظهر شخصية أخرى، وهي وتريان، ابن القس كوروغا، وهو روائي ودبلوماسي شهير، يتم القبض عليه باعتباره أحد أعداء اليوغسلاف.
وعندما يتعرف عليه جوهان في السجن، يبدأ البطلان رحلة العذاب في السجون والمعتقلات. وتفترق مصائرهما في نهاية المطاف: تريان يموت في معسكرات التعذيب، فيما يجبر الأميركيون جوهان على الانخراط في الجيش، أو البقاء في معسكرات التعذيب مع عائلته باعتباره مواطنا من بلد معادٍ.
في تلك اللحظة بالذات أيقن جوهان بأنه بدأ يفقد حلمه، ذلك العزاء الذي كان يغذي روحه اثناء سنوات السجن والأشغال الشاقة. وهكذا لا يجد بطل الرواية النور في نهاية النفق، وينتقل من سجن إلى آخر أكثر وحشية وإجراماً. ويُجبر على تنفيذ الأعمال الشاقة من حفر الخنادق إلى قطع أشجار الغابات في الشتاء البارد. ولكنه لا يزال يحلم بنهاية هذا الكابوس المريع من خلال عودته إلى بيته وأبنائه. وتستمر معاناته في الأعمال الشاقة، حين يجد نفسه محني الظهر أمام الآلة، لا يتوفر على فسحة من التفكير والتأمل، وهنا يداهمه الإحساس بأنه دخل في «الساعة الخامسة والعشرين «، تلك الساعة التي ما عاد يجدي معها ظهور المسيح، أي الساعة التي تفجرت فيها الحضارة المدنية والثورة التكنولوجية وحولت البشر إلى مجرد أرقام وآلات وأوراق وأختام.
ويقول جيورجيو على لسان مُصلح اجتماعي تقمّص شخصيته في الرواية وأطلق عليه اسم كوروغا: «لقد أشرف العالم على دخول ساعته الخامسة والعشرين؛ وهي التي لن تشرق الشمس من بعدها على الحضارة البشرية أبداً، والتي لن يحلّ بعدها يوم جديد. إنها الساعة التي سيتحول فيها البشر إلى أقلية عاملة لا تفكر ولا وظيفة لها غير إدارة جحافل الآلات وصيانتها وتنظيفها «.
ويستعير جيورجيو كثيراً من الأمثلة والأحداث الصاخبة لرسم صورة عالمنا الجديد الذي تسخّر فيه الأحاسيس البشرية كلها لضمان استمرارية هذا النظام.
والجميل في هذه الرواية أن الروائي الروماني لم يختر شخصية بطله واحداً من المثقفين بل اختاره من عامّة الناس، بل وهو ينتمي إلى فئة من الناس توصف بالتخلّف والسذاجة لأنها تبحث عن حياة غير الحياة الآلية الروتينية التي تخدم مصالح أصحاب رؤوس الأموال. وهكذا يمتد هذا الجشع والظلم على بيت ريفي صغير يسكنه موريتز مع زوجته الفلاحة الجميلة سوزان في إحدى القرى الرومانية النائية، ومن هنا انطلقت كل المشاعر والأحاسيس أي أن الظلم لم يستثن أحداً لا المدينة ولا الريف لا المثقفين ولا عامة الناس.
ويصل الظلم إلى أقصى حدوده عندما يقوم قائد الشرطة باعتقاله في أحد المعسكرات الرومانية حتى يتمكَّن من الاستفراد بزوجته الجميلة أي يطعن في شرفه ويبعده عنها ليفسح المجال أمام شهواته ونزواته غير الأخلاقية. ولا تنتهي معاناته إلى هذا الحد حتى إذا احتلت الجيوش النازية رومانيا، تقوم بنقل موريتز من معسكر اعتقال إلى آخر لينتهي به المطاف في مصنع للأزرار تابع للجيش النازي يعمل فيه بطريقة «السخرة».
وتتلخص وظيفته هناك بالوقوف أمام سير متحرك تمر فوقه علب كرتونية مملوءة بالأزرار المصنعة فيقوم بترتيبها فوق بعضها على أحد طرفي السير استعداداً لشحنها. وتكون سرعة وصول العلب على السير موافقة لأقصى سرعة يمكن لموريتز أن يرفع بها العلب من فوقه. وأثناء انهماكه في هذا العمل المرهق، يقوم بحك رأسه فيخسر أثناء ذلك بضع ثوانٍ من آلية العمل مما يؤدي إلى تراكم العلب فوق السير وتوقف العمل في المصنع كله.
وكان ما ناله موريتز من هذا الخطأ الشنيع أن خضع لأقسى أنواع التعذيب والاضطهاد. هذه هي العقوبة التي تنتظر كل من يتقاعس أو يتلكأ عن أداء عمله في خدمة الآلة. ويمكن القول إن هذا العمل الأدبي لا يُصنف ضمن العمل الروائي بل العمل الملحمي، وهي ملحمة بكل معنى الكلمة لأنها تغطي عصوراً ومراحل من تاريخ البشرية والحروب والاحتلال.
لا بد من الإشارة على أن الرواية تحولت إلى فيلم سينمائي شهير، قام كارلو بونتي بإنتاجه في 1967 وأخرجه هنري فيرنوي، مع أنطوني كوين في دور جوهان، بطل الرواية وفيرنا ليسي في دور شخصية سوزان، وسيرجي ريجاني في دور ترايان صديق البطل.
