تزييف اللوحات والأثاث والتحفيات... لا يزال يشغل أذهان عشاق اللوحات والأثاث والتحفيات الأصلية في العالم أجمع. فلم يتمكن أحد من السيطرة على هذه التجارة المربحة بالملايين على الرغم من استخدام أكبر التقنيات المختبرية والشعاعية من أجل الكشف عنها. وتمتد عمليات التزييف مختلف أنواع «الانتيكات»، منها الكتب ورسوم المخطوطات وأدوات الكتابة والخزفيات والأثاث الخشبية والتحف والآثار التاريخية والأدوات.
يقول بائع اللوحات الفرنسي والمتخصص في هذا الميدان، «كريستوف بيتيات» الذي يمتلك أكبر غاليري فني في الحي السادس عشر من العاصمة الفرنسية: «بدأت في تجارة الرسم عن طريق الصدفة. لم أنحدر من الوسط الفني لكنني عندما رأيت أسعار اللوحات الأصلية غالية إلى درجة كبيرة، جاءتني فكرة الطلب من صديق رسام أن ينجز لي استنساخ اللوحات. ولهذا قمت بتنظيم أول معرض لهذه اللوحات في مراكش الذي عرف نجاحا كبيرا. ومن ثم أقمنا هذا المعرض في سان تروبيه ـ جنوب فرنسا ـ وباريس. في فندق كريون، وبعنا جميع اللوحات التي عرضناها. وأثناء هذا الوقت قمت بتنظيم مجموعتي الخاصة التي تربو على 3500 لوحة» ويضيف: «في البداية استخدمت الرسامين النساخين حيث عمل معي أكثر من 80 رساما. وبدأ الرسامون الآخرون يأتون إلي ليعرضوا علي مواهبهم. وفي كل معرض أقيمه، يتقدم لي نحو 15 رساما لغرض العمل معي في مجال استنساخ اللوحات».
ثم يضيف قائلاً: «زبائني يأتون من جميع أنحاء العالم. ولعل ما يثيرهم هو حبهم للفنانين الأصليين الذين أبدعوا هذه اللوحات ولكنها ليست في متناول الجميع. وهي عادة ما تكون شبيهة باللوحات الأصلية من حيث الحجم والألوان والتواقيع. بعض المقتنين يطلبون منا تحويل اللوحات المرسومة حديثا إلى لوحات قديمة بالطريقة الاصطناعية. ونستخدم في ذلك جميع الطرق منها، على سبيل المثال، أن ندفن اللوحة في الحديقة أو نعرضها إلى درجات حرارية مختلفة تحت أشعة الشمس في الشرفة أو أن نغمس اللوحة في الغبار أو في التربة وغير ذلك أو أن نغطيها بحبات الملح الكبيرة. ومن أجل أن تصبح خامة اللوحة ذات مظهر قديم، نقوم بغمسها في الشاي أو القهوة قبل الرسم عليها. بعض الزبائن يطلبون مني استنساخ لوحات بعض الرسامين غير المعروفين جيدا».
وعن الإبداع يقول كريستوف بيتيات «قبل كل شيء إننا نقوم باستنساخ لوحات القرن العشرين، وكل لوحة تحمل على ظهرها رقما مكتوبا بالحبر الذي لا يمكن أن يمحى أو يغطى. وهناك مادة نضعها على اللوحة من أجل أن تحافظ عليها وتجعلها تقاوم الزمن».
من المعروف أن الاستنساخ لا يطال فقط اللوحات بل جميع الأثاث والتحفيات والخزف الصيني. وهناك مخازن كبيرة تنتشر في المناطق الصناعية في باريس تقوم بعمليات الاستنساخ والتزييف. ولا يوجد قانون يحرم بيع الأثاث المستنسخة، شريطة أن لا يقدم البائع هذه المواد على أساس أنها أصلية لأنه في هذه الحالة يدخل في سياق تزييف وخداع المشتري أو المقتني وإيهامه بأن ما يشتريه هو أصلي. وحسب الخبراء فإن المجوهرات والحلي واللوحات التي تعود إلى القرن الثامن عشر هي الأكثر عرضة للتزييف على الرغم من القوانين الصارمة.
دور العلم في الكشف عن اللوحات والأثاث المزيفة يقول أحد باعة التحف الفرنسيين في المخزن الشهير «برام ولورنسو» لا يمكن أن نلجأ إلى الفحص المختبري العلمي إلا بطلب من الزبون. لنأخذ على سبيل المثال، لوحات الرسامين الشهيرين أمثال تولوز لوتريك وأدغار ديغا وبيكاسو، في فترة حياتهم، كان الرسامون يستخدمون ذات المواد الأولية في الرسم.
فالتحليل المختبري العلمي سيقول لنا بأن هذه المواد أصلية تعود إلى تلك الفترة التاريخية، ولا يمكن أن يعرف فيما لو كانت اللوحة مستنسخة أو أصلية لأن ذلك يخص خبراء خاصين في تاريخ الفن. فالفحص المختبري ما هو إلا إضاءة علمية لما تكون عليه اللوحة لأن الخبير المتخصص في الفن يعمل بعينيه وبذائقته وبمعرفته. ومن المعروف أن الزبائن الخاصين لا يمكن لهم مراجعة غالبية المختبرات الجامعية الفرنسية لأنها مفتوحة للمؤسسات والمتاحف والبلديات وغيرها فقط.
ومن أهمها مختبر متحف اللوفر والمختبر القضائي للشرطة ومختبر معهد تأهيل وترميم اللوحات الفنية. ولا تزال بعض المختبرات سرية لا يعرفها إلا المتخصصون. وهناك مختبرات جامعية خارج فرنسا تستقبل الزبائن الخاصين بشروط معينة في إنكلترا وهولندا وكندا وبلجيكا. ويستقبل مختبر فرنسي واحد في باريس الزبائن الخاصين وهو «لاليانس سيانس آرت» إذ يقوم بالفحص عن طريق الميكرسكوب الالكتروني والراديوغرافي، يديره أربعة من الفيزيائيين الكبار.
والصعوبة التي تجابهها هذه المختبرات في فحص الأعمال الفنية الأصلية التي تتلخص في أن الأصباغ التي تستخدم حاليا هي ذاتها التي كانت تستخدم في القرن التاسع عشر، لذلك من الصعوبة التفريق بين ما هو مزيف وما هو أصلي من الألوان والأصباغ. أما اللوحات التي تعود على ما قبل عام 1700 فتبدو أكثر سهولة.
على سبيل المثال، في مجال التماثيل المصنوعة من الخشب، يمكن القول بأن هذا الخشب يعود إلى القرن الفلاني. أما في مجال الفخار، فأن المزيفين يستخدمون الطين القديم في صناعة تماثيل تعود إلى القرون الوسطى لذا فأن الخبراء لا يستطيعون سوى الكشف عن مادة الفخار وعملهم يتوقف هنا. ولا يمكن لهم أن يعبروا عن رأيهم في نوعية التمثال.
إن غالبية هذه المختبرات تستخدم الطرق غير التقليدية في فحص الأعمال الفنية مثل الأشعة فوق الحمراء والبنفسجية دون اللجوء إلى المواد الكيميائية لأنها تضر باللوحات الفنية. وتكمن الصعوبة في الكشف عن اللوحات المزيفة في أن بعض مزيفي اللوحات قادرين على صناعة الأصباغ الأصلية على الطريقة القديمة بحث يتعذر على المختبرات الكشف عنها وتتطلب تقنية متقدمة جدا للكشف عنها.
وتمتد عمليات التزييف إلى الحلي والمجوهرات والخزف الصيني والكريستال والأثاث. ويتكاثر مزيفو الكريستال في دول أوربا الشرقية التي تقوم بتصنيع الكريستال على الطريقة الصناعية وليس عن طريق العمل اليدوي، وتوهم المشترين بأنها أصلية لكن عدم دقة الرسومات عليها هو الذي يكشف زيفها. ومن أشهر الماركات التي تزيف في هذا المجال هي «مورانو».
شاكر نوري


