هذه مجموعة قصص جديدة للقاص محمّد محيي الدّين مينو، تضمُّ عشرين قصّة، انصرفت إحدى عشرة قصّة منها إلى شكل القصّة القصيرة، وانصرفت القصص التّسع الأخرى إلى شكل القصّة القصيرة جدّاً. والشّكلان معاً مشغولان بقيمة (الحريّة) ونقيضها القهر بألوانه وأنواعه كلّها. وليس الجديد بالنّسبة إلى القاصّ مينو هو الانصراف إلى الحريّة والقهر، فهذه شواغل الثّقافة العربيّة عموماً، والأدب خصوصاً. بل الجديد عنده هو التّعبير القصصيّ عن التّوق العربيّ إلى التّخلُّص من القهر الذي قضى على إنسانيّة الإنسان، وحوَّله من قيمة إلى سلعة وشيء من الأشياء التي تُباع وتُشْرى.

من المفيد أن نلاحظ، أنّ قصص «يوم تعرى النهر» لا تُقدِّم حكاية تقليديّة، تحرص على البداية والذّروة والحلّ أو لحظة التّنوير. وإنّما تضمُّ قصصاً حديثة، بعضها تعبيريّ يمزج الواقع باللاواقع، والمعقول باللامعقول، كقصّة (ما حدث ليوسف) التي لجأت إلى التّناص مع القصة القرآنيّة في سورة يوسف؛ لتُعرّي موقف الإخوة من أخيهم، والأم من ابنها المصاب بالشّلل. فالمتلقّي، إذا رغب في الإفادة من هذه القصّة، احتاج إلى وعي القيمة القرآنيّة في سورة يوسف، قيمة غدر الإخوة، وحزن الأب على ابنه.

ههنا، في قصّة مينو، يتحوّل الأخ المغدور إلى عنكبوت يتسلّق الجدار إلى سقف الغرفة ليرصد عبث أخوته بغرفته وموت أمّه حزناً عليه عندما رأت ما فعله أبناؤها بممتلكات أخيهم. وعلى المتلقّي في هذه الحال أن يلاحظ ذلك الأسى والقهر النّابعين من عبث الإخوة بممتلكات أخيهم، بحيث يسيطرون عليها دون وجه حقّ، وعليه أيضاً أن يستنتج ما حلَّ بالأسرة العربيّة من شقاق ونزاع داخليّ حول الأمور الماديّة.

تُعضِّد قصص أخرى في المجموعة هذه القصّة التّعبيريّة بأساليب فنيّة مغايرة. فقصّة (شجرة التوت) تقترب من الشكل الواقعيّ الذي يرصد بوساطة الحكاية معاناة الابن من عدم وفاء أبيه لأمّه بعد موتها. وقصّة (جثّة بلا رأس) التي ترصد بوساطة اللامعقول وحدَه محاولة أهل الحارة التّعرف إلى الجثة التي رمتها (سيارة الجيب الخضراء) دون رأس، وإغفالهم القائم باغتيال النّاس، وما يدلّ عليه الخوف من لجوء الإنسان العربيّ إلى السكوت بدلاً من الاعتراض على الخنوع.

يبقى السّؤال قائماً: كيف يقرأ المتلقّي هذه القصص ليفيد منها في تنمية إحساسه بمناهضة الظلم؟. يغلب على ظنّي أنّ المتلقّي قادر على ملاحظة الإطار العامّ لمجموعة (يوم تعرّى النهر)؛ هذا الإطار الذي يضمّ عشرين قصّة في خمس وثمانين صفحة.

وعليه أن يستنتج أنّ القصص كلَّها ميّالة إلى الإيجاز والتّكثيف مادام عدد الصّفحات قليلاً. وسيلاحظ في أثناء القراءة شيئاً آخر، هو ابتعاد القاص عن الحكاية التّقليديّة. ثمّ يبدأ يكتشف أنّ عدداً قليلاً من الكلمات والأسطر كاف للنّهوض بانطباع ما بدلاً من المغزى في النّهاية المغلقة والمفتوحة. قد تعوق المتلقّي قضايا تحتاج منه إلى تأنّ في القراءة، كولوع القاصّ مينو بتقسيم القصّة إلى لقطات ومقاطع، وحرصه على أنّ يؤدّي مهمّة السّرد بدلاً من السّارد، وطبيعة اهتمامه بالمكان القصصي، وغير ذلك من أمور.

أقول: يستطيع المتلقّي تعليل كلّ أمر من الأمور الفنيّة التي لاحظها. فالإيجاز ليس اختصاراً لعدد الكلمات فحسب، بل هو محاولة من القاصّ مينو لحفز المتلقّي إلى الانتباه. فلكلّ جملة وظيفة لا تؤدّيها جملة أخرى في القصّة، بحيث يتأثّر السياق إذا حُذفتْ منه الجملة، أو حُوِّرت، أو تغيّرت. ولجوء القاص إلى تسمية بعض الأماكن والشخصيّات بأسماء حقيقيّة معروفة في الواقع العربي (كشارع المتنبي والكاظمية في العراق، وظهر المغارة في حمص، والميدان في دمشق)، محاولة أخرى منه لإبقاء المتلقّي مرتبطاً بواقعه، لئلا ينجرف وراء التخييل. كذلك الأمر بالنّسبة إلى الرّموز، كرمز الحمامة إلى الحريّة ورمز الختان إلى العطالة الاجتماعيّة.

في مجموعة (يوم تعرّى النهر) أشياء فنية كثيرة تستحق أن تُقرأ المجموعة من أجلها، وقيم وطنيّة واجتماعيّة تحتاج منا إلى إنعام نظر لئلا تضيع في زحمة الحياة الحديثة.

المؤلف في سطور

القاص محمد محيي الدين مينو من مواليد حمص (سوريا) عام 1956. باجث وقاص. له: الدائرة (قصص 1981)، أوراق عبد الجبار الفارس الخاسرة (قصص 1999)، العالم للجميع (قصص للأطفال 1995)، الغواصون السبعة (قصة للأطفال 1999)، معجم الإملاء (2002)، معجم مصطلحات العروض (2008)، عمرو بن أحمر الباهلي، حياته وشعره (دراسة 2003)، تجارب جديدة في القصة السورية القصيرة (ج1/ عالم عبد الحليم يوسف التعبيري 2004، ج2/ عالم خطيب بدلة السردي .

د. سمر روحي الفيصل