حين رأيناها تتهادى فوق الرصيف، مثل كرة سوداء، أسرعنا بالخروج من النهر. تعلقت عيوننا بها، والانتظار القلِق يراوغنا، بينما الماء يتساقط من أجسادنا، ثم اتضحت أكثر لما انحرفت كقطعة من الليل نحو غيطان القمح الذهبية.

تابعناها حتى مدخل البلدة. وشت نظراتنا بأن موسم مجيئها قد حان، الشمس لاهبة، والعفاريت في وقت راحتها، عدانا نحن، لا يمنعنا من اللعب حتى ملك الجان نفسه.شغلتنا الدار التي سيقع عليها اختيارها.قالت البنت هدى:ـ نعود إلى النيل.. لن يستطيعوا إخراجنا.الغجرية تطرق أي باب، تدفعه قبل أن يؤذن لها. يتناهى صوت الأم من حجرة النوم، ترحب بالمرأة، ثم تخرج ـ ملهوفة ـ تبحث عن ابنتها، العفريتة التي لا تعرف نوم القيلولة.عدنا إلى القرية. عرفنا أن الغجرية في دار البنت هدى. تبادلنا نظرات الخوف. كنا نرى الدنيا واسعة، ويمكننا الهروب إلى أبعد مكان حين يأتي الدور علينا. غير أننا اكتشفنا عكس ما تصورناه، بعد أن هربت البنت سعدية إلى دار جدتها التي لم يكن أمامها سواها.ولم تعثر على ما يخفيها إلا تحت السرير. استكانت خلف الصناديق.

أدركت سعدية أن الدور عليها لقرب دارها من دار هدى. لكن الجدة فتنت على حفيدتها. انحنت الأم تحاول استدراجها من تحت السرير، وهى تساومها بالدجاجة التي ستأكلها وحدها. ظلت ـ طيلة الطريق وهى تحملها فوق جنبها ـ تهون لها الأمر. هو أشبه بدغدغة بطن قدمها، وبعد أن ينتهي ستضحك كثيراً.

دخلت الغجرية بجسدها الشحمى، وعينيها الحادتين. يناديها الناس ـ لسبب غير معروف ـ بالخالة كوكب، أو بالخالة فرج الله.

لم نسمع صراخ سعدية، فأدركنا أن المرأة تفعل بها ما عانيناه من قبل. تأتى حميدة ـ التي تتطوع لمساعدتها ـ فتجلس على عجيزتها، مفتوحة الساقين، وتأخذ البنت بينهما، ثم تجلسها الجلسة نفسها أمامها، وبحركة وامضة تلف ساقيها على ساقي البنت، مثل جذع شجرة عملاق، وفرع لبلاب ضعيف، ثم تحيط ذراعيها، وتغطي عينيها بطرف ثوبها ذي الرائحة الزنخة، وهى تكيل الشتائم لمن تقاوم أو تصرخ.

شعرت البنت ـ كما شعرنا ـ بالاختناق، اليدان موثقتان، والأرجل مرفوعة، والشحرور صغير، ضعيف، أخضر الريش، يحاول التحليق، لكنه يسقط في يدى الغجرية، فتمسك منقاره، وتخرس ـ بالموسى الحامى ـ لسانه. يسيل الدم قانياً، ساخناً، تهيل عليه تراب الفرن الأسود الخشن، محملاً ببقايا القش والحطب، وتقطر على المنقار قطرات من الزيت الحار.

هجنا ـ لسماع صراخ سعدية ـ مثل النمل عندما يستشعر الخطر. نجري فوق أسطح الدور، نختفي خلف الصوامع، نمضي نحو السلالم الطينية.

غادرت الغجرية دار سعدية، كانت تلف وجهها المتغضن بوشاح أسود، وتعصب رأسها بإيشارب أسود، حتى جلابيتها سوداء، فضفاضة، قفتها الموضوعة فوق رأسها، كأنها جزء من تكوينها، تنبت منها. ورغم عدم ارتفاع حوافها، وصغرها إلى حد ما، فإنها تبدو ـ إذا وضعتها أمامها ـ أشبه بجراب الحاوي، تخرج منها كل ما تحتاجه، وتحمل فيها ما تمنحه الأمهات إياها. كان أهم ما يميز وجهها وشم أخضر منمق، مدقوق فوق الذقن على شكل خطوط طولية، تتناثر بينها نقط.

البنت نجوى أكبرنا، لكن الغجرية كانت ترجئ التردد على دارها، وهى تؤكد أن الوقت أمامها.

لما رأت نجوى المرأة تدخل دارها، قفزت فوق السرير، وهددت بإلقاء نفسها من النافذة. لكن أمها أوهمتها أن الغجرية رحلت، ودعتها إلى رؤيتها، وهى تغادر البيت. ما أن هبطت إلى الأرض حتى التف النسوة حولها، وجرجرنها من ساقيها كأنما يمسحن بها أرض البيت، وهى تصرخ، وتطلق الشتائم، بينما الضحكات تعلو، ونشيج أختها التي سبقتها، يرافق نظرتها إلى الدم المنساب على ساقيها:

ـ اتركوها يا أولاد الكلب !

كان الأولاد يتطلعون ـ في فضول وشماتة ـ من زيق الباب، وهم يغنون على إيقاع الطرقات فوق الصفيحة الفارغة:

شحرورك بحرورك بكره يخر دم

وف داركم بيغنوا ع الطبل والزمر

وجيران الحتة وحبايب أمك تتلم

أخرجت الغجرية الموسى من قفتها، وسنته فوق الحجر، ثم خرجت بينما الشحرور يتنطط.

خفت غناء الأولاد لما رأوا الدم المتدفق يسيل على الأرض في قنوات رفيعة، متدافعة. امتلأت أصواتهم بالأسى. قامت المرأة، ورنين الغوايش حول ساعديها، يتردد مع تراقص الخلخال حول ساقها، بينما ظلت رائحة الزنخ منتشرة.

مساء، كنا نجلس فوق الأرائك العارية، الصلبة، منفرجات السيقان، نئن من الألم، بينما الجارات والأقارب يتفرجن على الجرح المتورم، يؤمن على استواء القطع، ربما بقى من لسان الشحرور ـ كما قلن ـ فضلة.

ثمة فعل كنا نود أن نفعله، غير أننا لم نستطع حتى إسدال الغطاء على ما نملكه، هو في تلك اللحظة، ليس لنا، وإنما من حق عيون الأمهات، يتأكدن أنه لا واحدة من البنات أفضل من الأخرى.

في الليل، كنا نبكي من الألم الحارق، وبقايا تراب الفرن، بالإضافة إلى ضجرنا من الرقاد على ظهورنا. السيقان منفرجة، يزيد من اتساع المسافة بين كل ساقين طاجن فخاري منكفئ، يمنع التصاق الجرح، ويعيننا على التمدد.

قبل أن ترحل الغجرية، قالت للأمهات مؤكدة ـ حتى تكتمل الطقوس ـ أننا لابد أن ننزل الترعة في اليوم الثالث.

النيل يعمدنا، يبارك إخراس الشحرور، يساعد على التئام جرحه. البنات سامقات الطول، والترعة لابد أن تكون جارية، يفيض الماء منها. كنا عفاريت، نحسن السباحة. البنت سعدية قصيرة القامة، لا تستطيع السباحة، تخطو وراءنا، تتحسس بقدميها أرض الترعة، وعلى وجهها إمارات القرف والخوف. الطين لزج، يختلط به زجاج متكسر أو شقاف فخار مدبب يؤلم قدميها. الماء يعلو، يجري، يدفعنا نحو الهويس المفتوح.

قالت البنت نجوى:

ـ الولد شعبان الغنام يبص علينا.

كنا مكسوفات، نتوارى في سطح المياه من عينيه، ومن أعين خرافه.

ضحكت هدى:

ـ تخفن من شعبان العبيط ؟!

النيل ـ الإله المبارك ـ لا يقبل تعميدنا، ما لم نقدم له قرباناً، والشحرور يتألم. الإله يغضب، فيصير وحشاً، يفتح فمه، ماسورة عملاقة تصدر فحيحاً، تحت هويس ضخم يسلطه، ليسحب قربانه.

البنت هدى تعافر، تقاوم، التمعت عيناها بالخوف. قالت إنها تشعر بجنيات البحر، يحملنها، جسدها خفيف، لا تشعر به.

رأينا الإله يحملها بنفسه، يعبر بها النهر إلى الوادي الآخر.

بحثنا عنها، حاولنا استعادتها، مددنا لها أيدينا. كانت صامتة، بينما النهر يعدها بالبعث والخلود.

تحسسنا بأقدامنا القاع اللزج، فلم نجدها.

أكملنا عدتنا، والنهر بعد لم يباركنا.

فاجأنا النهر ـ في اليوم الأخير ـ بسحب مياهه. كانت البنت سعدية فرحانة، لأنها اليوم فقط تستطيع أن تسبح دون خوف، غير أن الماء تحول إلى بركة من الطين. خرجنا مثل القراميط السوداء.

منذ خطف النهر البنت هدى وهو يعانى ما لم نفهمه. يجري، ويفيض، ثم يتحول إلى بركة راكدة من الطين، والشحرور يحوم فوقه، حائراً، يرغب في الارتواء. لا النهر يقف، ويباركه، ولا هو ينبت له منقار يمكنه من الارتواء.