على الرغم من مرور نحو ربع قرن من الزمن على رحيل الأديب الفرنسي جان جينيه، إلا أن شخصيته وكتاباته لا تزال تثير جدلا واسع النطاق بين أوساط المثقفين على امتداد العالم.

ومما لا شك فيه أن كتاب الأديب الإسباني خوان غويتيسولو، الذي صدر مؤخرا تحت عنوان «جان جينه في الرافال»، يشكل مساهمة جادة في ذلك النقاش حامي الوطيس إذا ما أخذنا في الاعتبار العلاقة الشخصية والأدبية الحميمة التي جمعت بين المثقفين عموما ولقاؤهما في الحي الصيني في مدينة برشلونة الاسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي على وجه الخصوص.«علمني ـ جان جينه ـ قاعدة أخلاقية حرصت على المحافظة عليها دوما»، هذا ما يؤكده الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو (برشلونة 1931) في إشارة منه للروائي الفرنسي جان جينيه(باريس 1910 ـ 1986)، الذي يتناول الكاتب الكتالوني جوانب على جان كبير من الأهمية من حياته وشخصيته في كتابه الجديد «جينيه في الرافال»، المكون من أربعة أبحاث كتبها غويتيسولو في فترات مختلفة حول عناصر متنوعة من أعمال جينيه، الذي تعرف إليه أثناء منفاه الباريسي.

بالإضافة إلى هذه الأبحاث الأربعة، التي يؤكد غيوتيسولو على أنها «تتكامل في وحدتها»، يتضمن الكتاب سبع رسائل غير منشورة كان الكاتب المسرحي والشاعر الفرنسي قد كتبها له بين عامي 1958 و1974 وقام الكاتب الصحافي الكتالوني بحفظها حتى يومنا هذا.

تلك المراسلات محملة بجرعة كبيرة من السخرية والتهكم والمزاح، على حد تعبير الحائز على الجائزة الوطنية للآداب الاسبانية، الذي يؤكد كذلك على أن تلك «الرسائل تتحدث عن نفسها بنفسها»، في حين يمكن القول إنها تشكل الطبق الرئيسي في كتابه الجديد.

حيث تعتبر الرسالة الأولى، على سبيل المثال، التي تعود لعام 1958جريئة زيادة عن اللازم، بينما يخاطب جينه في الرسالة الثانية صديقه الاسباني بعبارات نابية وبلغة تتأرجح بين التحقير والسخرية. أما الرسالة الثالثة فتعود إلى عام 1968، وتدور حول «ربيع براغ» وتظهر فيها وجهة نظر كاتبها الخاصة والمميزة القائلة: «أمام الكارثة الوطنية، يفطر قلب بائعات الهوى ويشتد عوده».

على هذا النحو كان جينيه يتعامل مع كل ما هو يومي، ولم يكن يضيره أو يخجله نشر رسالة على غرار رسالة عام 1958، التي يقول فيها أيضا «إذا كان هناك ما أخجل منه بهذا العمر فهو أني لم أتعلم شيئا في حياتي».

رسائل سنوات الخمسينيات ضلت طريقها وضاعت في بعض رحلات وأسفار غويتيسولو إلى الولايات المتحدة. الرسالة السابعة، المنشورة في هذا الكتاب، ظهرت بصورة غامضة في جامعة «يال» الأميركية، لكن الكاتب لا يعرف حتى الآن كيف وصلت إلى هناك، بينما تعرض جزء آخر من تلك الرسائل إلى سرقة لم تحل خيوطها حتى الآن من معرض في مدينة ألميريا، «أخذها شخص مهووس بالسرقة كان يتحلى بنوع خاص من الكياسة بحيث ترك صور كل واحدة منها».

وبحسب ما يرويه غويتيسولو نفسه، فإن الرسائل جاءت أحيانا ثمرة ما تفتقت عنه مخيلة جينيه «غاضب ومحبط بسبب فشل حركة مايو 68»، التي شارك الكاتب الفرنسي في مظاهراتها بشكل نشط وفعال محاولا لفت الانتباه لظروف حياة المهاجرين في فرنسا على سبيل المثال.

غويتيسولو يستذكر الآن وبعد مضي عدة عقود من الزمن أن جينيه كان يشعر ب«ازدراء كلي» حيال الحياة الأدبية والدعاية التي كانت تحيط به من كل حدب وصوب».

كما يؤكد غويتيسولو أن تأثير جان جينيه عليه لا يقتصر على الجانب الأدبي فحسب، بل يتعداه وصولا إلى ما مارسه مؤلف «يوميات لص» «عليه من تأثير أخلاقي»، ويشير إلى أنه من الممكن رؤية ذلك التأثير في بعض مشاهد رواية «خوان بلا أرض».

ويعتبر غويتيسولو أن «جينه في الكافال» يشكل، في المحصلة النهائية، «نوعا من استذكار وتكريم مؤلف« أسير عاشق« و« يوميات لص»، العملان اللذان تدور حولهما بعض الأبحاث التي يتضمنها كتابه الجديد، علما بأن أول تلك الأبحاث والذي كان آخر ما كتبه، يتحدث عن جينيه «المنحرف واللص وعن يوميات لص» حيث يروي الكاتب الفرنسي مغامراته ومحنه في الحي الصيني في برشلونة في ثلاثينيات القرن الماضي والذي يعرف في يومنا هذا بحي الرافال».

بحث آخر يتناول موضوعا « أكثر دقة ونعومة» حول «اسير عاشق» تناولته وقتها وسائل الإعلام الفرنسية بإسهاب، لكن غويتيسولو يحاول بصورة إجمالية تسليط الضوء على مضمون هذا العمل، إذ يؤكد أن حركة النقد«لم تتمكن من فهمه» ويعتبر أنه يتصف « بتعقيد وجمال عظيمين».

ويأتي إطلاق كتاب غويتيسولو الجديد هذا تماما بعد مضي عام على نشر عمله الأخير «المنفي من هنا ومن هناك»، ويصف فيه جينيه بأنه كاتب ملعون لكنه كاتب من الطراز الأول تمرد على النظام القائم في الحياة الاجتماعية والسياسية مثلما تمرد على ما هو فني وأخلاقي، وترك في الحي الصيني القديم في برشلونة بصمة دامغة في منطقة أخلاقية مظلمة مشبعة بالسرقة والانحراف والمذلة، التي وقع فيها جينيه لكنه قرر تبنيها وتحويلها إلى فضيلة عليا.

« للهول الذي كان ينتابه حيال الغرور الأدبي أدين بطريقة تكويني. وجينيه، الذي ميز بين الأدب والحياة الأدبية، غير علاقتي بالأدب»، وكان غويتيسولو قد تعرف إلى جينيه في باريس عام 1955 في منزل مونيك لانج، سكرتيرة الناشر الفرنسي غاستون غاليمار، التي كانت زوجته لفترة من الزمن وصديقته دوما.

وبالعودة إلى الأبحاث الأربعة التي تقع بين دفتي «جينيه في الرافال»، فإن البحث الأول، الذي يعطي الكتاب اسمه، قد ظهر في الملحق الثقافي لصحيفة الباييس الاسبانية «بيبيليا» في ينار الماضي، أما الفصل الذي يحمل عنوان «أرض الشاعر»، فإنه يعود إلى كتابه «ممالك الطوائف»، 1986، في حين يأتي فصل «جينيه والفلسطينيين» من «ضد الأشكال المقدسة»، و«الشاعر دفين العرائش» ضمنه غويتيسولو في « غابة الحروف».

وبقراءة تلك الأبحاث مجتمعة، فإنها تعطي رؤية خاصة جدا كونها غويتيسولو حول الكاتب الفرنسي وأعماله، ذلك أن «جينه والفلسطينيين»، على سبيل المثال، يعتبر بحثا إيحائيا حول كتاب « أسير عاشق، الذي صدر بعد وفاة جينيه ولم تستوعبه الحركة النقدية الفرنسية، ما دفعها إلى رفضه.

عرج الكاتب الفرنسي على برشلونة بين نوفمبر 1933 وأبريل 1934 ويقول غويتيسولو أن إقامته هناك شكلت تجربة ابتدائية حفزته فيها الاسبانيات المجنونات اللواتي كان يصفهن بأنهن جسورات. ويروي غويتيسولو بعض الحكايات الطريفة والغريبة والمقتضبة التي صادفته هناك على غرار أن جينيه قام ذات مرة بسرقة معطف دركي بعد أن أقام معه علاقة أو كيف قبلوه عندما قام بتقليد النساء وارتدى ثوبا مزركشا.

قبل وفاته بعامين، تسلم جينيه الجائزة الوطنية للأدب الفرنسي، التي يقول غويتيسولو إنها «راقت له حتى أقل مما راقت لي ـ غويتيسولو يشير هنا إلى الجائزة الوطنية للآداب التي منحت له عام 2008»، عندها أرسل جينيه طفلا مغربيا كان يعمل في سيرك ويرتدي لباس مهرج لاستلام تلك الجائزة.

خوان غويتيسولو رفض من جانبه، مؤخرا، جائزة القذافي العالمية للرواية وقيمتها 150 ألف يورو وحينها قال: «يقولون إنه ليس للمال رائحة، لكن بالنسبة لي لا شك بأن له رائحة».

ومثلما كان حي «لا رامبلا» و«الحي الصيني» يعتبران منطقة أخلاقية خاصة في نظر جينيه، فإنهما كذلك في نظر غويتيسولو أيضا، فلقد راح يتردد عليهما منذ عام 1949. في برشلونة تلك الحقبة التي علا فيها صوت النعرة القومية الكتالونية وقمعت فيها الثقافة الكتالونية، كانت المناطق الوحيدة المثيرة للاهتمام تتمثل في الغرف الخلفية لبعض المكتبات وما يطلق عليه في يومنا هذا حي الرافال، الذي كان يعتبر منطقة تنعم بحرية من نوع خاص. أتذكر الأغاني القذرة التي كانت تغنى في حانة قادش، عندما أخذت معي مونيك لم أكن قادرا على تخيل أنه في إسبانيا يحكمها فرانكو يمكن أن يكون هناك جزيرة صغيرة للحرية على غرار جزيرة الحي الصيني».

«عندما أكون في برشلونة لا يخطر ببالي شيء آخر غير التنزه في حي لا رامبلا. وخلال الفترة الأخيرة من عهد خوسيه ماريا أزنار، عندما كان يهاجم كتالونيا كثيرا، قلت إنه إذا استمر على ذاك النحو، فإني سأصبح انفصاليا من لا رامبلا والحي الصيني»، على حد تأكيد غويتيسولو، الذي شدد كذلك على أنه «لم يتغير شيء في تاريخ الحي الصيني، حيث اللوائح والمراسيم لا تنفع بشيء هناك».

خوان غويتيسولو في سطور

يعتبر خوان غويتيسولو أحد أبرز المثقفين الذين عرفتهم إسبانيا خلال العقود الأخيرة. ولد في برشلونة عام 1931 ويقيم حالياً في مراكش. كما يعتبر من أهم المدافعين عن تاريخ إسبانيا في العصور الوسطى، لكنه لا يشعر بالانتماء إلى المجتمع الإسباني، بل بالانتماء إلى أمة تهتدي بفكر سرفانتيس وقادرة على استيعاب حضارات أخرى على غرار الحضارة العربية التي تجاهلتها القومية الإسبانية المعاصرة بشكل مخز.

باسل أبو حمدة