يعتبر احمد عبد النعيم صندوق الكاريكاتير المصري كما أطلق عليه البروفيسور جون لاينت عند بحثه عن الكاريكاتير في الشرق الأوسط، أنجز مؤخرا كتاب «حكايات في الفكاهة والكاريكاتير» الذي يعد أول دراسة من نوعها حول تاريخ الكاريكاتير المصري.

مازالت المكتبة العربية تعاني ندرة الكتابة التاريخية عن أهم الفنون التشكيلية قربا إلى الشعوب، ورغم أهمية هذا الفن الصحفي المشاغب الجميل الذي نستمتع به يوميا عند الاطلاع على الجريدة اليومية، ولا يمكن تصور مطبوعة مهما بلغت من الكلاسيكية لا تستخدم هذا الفن. ورغم ذلك فإنه لم يقدم لنا بطاقة هويته من أين جاء وسبب تسميته؟ بهذا الاسم نحن أمام إشكالية جدلية مازالت قائمة حتى الدراسات الأكاديمية القليلة، فإنها تأخذ موضوعا صغيرا أو حقبة زمنية دون البحث عن جذوره والنشأة.. لذلك كانت الدراسة الأهم في كتاب حكايات الفكاهة والكاريكاتير. ملحق « مسارات » التقى الفنان أحمد عبد النعيم وحاوره حول كتابه ورؤاه لفن الكاريكاتير وغير ذلك من القضايا الجوهرية، وفيما يلي نص الحوار:

نود التعرف على الأسباب التي دفعتك للتفكير والبحث في أصول فن الكاريكاتير وإصدار هذه الموسوعة الضخمة عنه؟ بداية تفكيري في إصدار هذه الموسوعة كانت مقابلة مع البروفيسور جون لاينت عند زيارته للقاهرة، فقد سألني عن أهم الكتب والمراجع لكتابة مقال عن الكاريكاتير المصري لمطبوعة جامعة تمبل وبعد أيام من البحث أحضرت بعض المقالات المتفرقة ومقدمات لكتب عن الكاريكاتير وتجارب رسامين.. لاحظ مستر لاينت ضعف النتيجة رغم صعوبة البحث، فطلب مني أن اكتب أنا الدراسة بنفسي بشرط ألا تزيد على خمسة وعشرين صفحة فقط، فقد جاء لمقابلة خمسة رسامين كنت أنا واحدا منهم، وبعد التكليف وجدت أنني أمام كنز من المعلومات ولا يمكن اختصار كل هذا التاريخ الممتد لأكثر من سبعة آلاف سنة، انتهيت من كتابة المقال وظل عندي نهم البحث والدراسة، مضيت في تجميع المادة لأكثر من أربع سنوات كاملة.

وماذا عن نشأة فن الكاريكاتير وبداياته التاريخية مصريا وعربيا؟

بداية الكاريكاتير يمكن أن نرجعها الى بداية معرفة الإنسان بالفن والرسوم والنقوش التي وجدت داخل كهوف الإنسان الأول، والتي يمكن أن نطلق عليها بداية الكاريكاتير، لأن هذا الفن يتطلب عناصر ثلاثة صورة ومبالغة وتأثير ساخر، وهناك بعض رسوم داخل الكهوف تحمل العناصر الثلاثة قبل ظهور الحضارات.

وقد توقفت عند الكاريكاتير الفرعوني وهو عبارة عن رسوم وجدت في عصر الرعامسة وتحملها بردية الأوضاع المقلوبة، وفيها تصوير كاريكاتيري عال عند تصوير الأسد، وهو يلعب لعبة الضامة وهي لعبة مصرية قديمة تشبه الشطرنج يلعبها مع غزال دليل ضعف الأسد الشديد، والعديد من البرديات التي استخدمت الرمز عند التصوير، والبحث عن الكاريكاتير في العصر القبطي والعصر الإسلامي التي تراجعت فيه الصورة بعض الشيء، وظهور فنون اخرى من السخرية مثل خيال الظل والاراجوز والمسامرات بالزجل، وبعد ذلك كيفية تدريس هذا الفن وغياب النظرية النقدية فمازال الحكم انطباعي والأفكار في الكاريكاتير وكيف يصنع الفنان فكرته وتطوير أسلوب الفنان والتعليق الكاريكاتيري.

كيف ترى حال فن الكاريكاتير مصريا وعربيا؟

الكاريكاتير الآن يمر بمرحلة تطوير شاملة تتطلب بعض الوقت حتى يأخذ ملامح مميزة، فهناك جيل من الشباب استطاع التعرف على أنواع وريشات مختلفة من الاطلاع على أساليب فنية، هذا الجيل سوف يحتاج بعض الوقت حتى يبعد عن حالة التغريب الفني ويستقر أسلوب، فالكاريكاتير كائن حي يتجدد دائما.

وماذا عن مستقبله؟

أرى أن منحى مستقبل الكاريكاتير يتجه إلى أعلى، فالمستقبل يحمل العديد من المفاجآت، وكلها تصب في صالح الكاريكاتير فالمطبوعات الإلكترونية، أو ما يعرف بصحافة الإنترنت تستخدم الكاريكاتير.

الآن تقام اكثر من 200 مسابقة في العالم للكاريكاتير يمكن وأنا هنا في القاهرة أن أشارك في مسابقة في بكين، لقد اشتركت في العديد من المسابقات وأنا اجلس على مكتبي وأستطيع يوميا مشاهدة أكثر من 150 كاريكاتيرا منشورا من خلال المواقع المختلفة، كل ذلك يصب في مصلحة هذا الفن ..

والحقيقة هناك العديد من الريشات العربية التي أتابعها يوميا وهي ريشات بحق عالمية استفادت من التقنيات الحديثة، واستطاعت تطوير نفسها بصورة واكبت لغة العصر واستقرت عند شاطئ الأمان تسلحت بالتقليد والأعراف العربية استغلت الهامش المتاح واقتربت من المحظور بذكاء وأخذت المكانة .. وأتمنى منهم المشاركة في المسابقات الدولية حتى يطلع الغرب على مدى تقدم هذا الفن عندنا مازال اشتراكنا ضعيفا جدا لك أن تتخيل ان بعض الدول تشارك بأكثر من 30 فنانا وحجم المشاركة العربية قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة يجب الاستفادة من التكنولوجيا في هذا المجال.

لكن عدد فناني الكاريكاتير قليل وظهور المواهب ضعيف ؟

عندك كل الحق، هناك ندرة في رسامي الكاريكاتير ليست عندنا فقط، ولكن في العالم كله، لأنه فن صعب جدا، ليست المشكلة في أن تكون فنانا جيدا تستطيع رسم صورة، فكل كليات الفنون يتخرج منها سنويا العديد من الفنانين، ولكن كل فترة زمنية يظهر فنان كاريكاتير واحد، فقد قال تشرشل إن ظهور فنان كاريكاتير أمر يستدعي الانتباه .. لأن الفن لا يقتصر على الإمكانيات الفنية.

ولكن يتطلب العديد من الصفات التي يجب أن تتوافر في فنان الكاريكاتير، وهي قدرته على قراءة خلفيات الموضوع واستحضار السخرية فيه والثقافة العالية والقدرة الرهيبة على الاختزال وكيفية التعبير عن فكرته بأقل الكلام وبدونه أحيانا، نحن هنا أمام حالة وجدانية خاصة خلطة شخصية عجيبة قد لا تتوفر كثيرا لذلك تعاني كل المجتمعات من ندرة رسام الكاريكاتير.

محمد الحمامصي