التراب، وهو ملء أسماعنا وأبصارنا، يتنفس داخلنا ويلهمنا بما يوسّع حدود أفقنا الجسدي، ونغفل عن نسبية قوته المودعة فينا وفي تعالينا عليه، ويكتم أنفاسنا بمقاييس عائدة إليه دون مراجعتنا.

ليس من مسافة معينة، ولا بأي شكل، تفصلنا عن هذا التراب الذي يسكننا، ويشكّل مهادنا الروحي، وأساس تكويننا، ليس لأنه مرجعنا فقط، إنما يسمّينا، ويمنحنا أشكالاً وألواناً، وهو شريك عناصر أخرى في جبلّتنا، لكنه الظاهر والأكثر حضوراً مادياً لحظة إمعان النظر في حقيقتنا الجسمية، وفيما يصلنا بالكائنات الحية الأخرى.والعلاقة لا تتوقف على اعتباره حقيقة فاعلة في كينونتنا وشاغلة لنا، والروح تكون الخميرة في منحاه التحويلي، عندما يتراءى لحماً وعظماً وأعصاباً وأوردة، بقدر ما تجلو حقيقتها الكبرى والنافذة فيما عدانا، إذ يكون أمامنا، حولنا ودوننا وكذلك في مخيّلتنا وذاكرتنا التاريخية عندما نتحدث عن تاريخ التراب ومصيره، وصلتنا بالتراب، ومعالمنا الترابية وأسلافنا الترابيين، وما لم يعد تراباً بعد مضي هذه السنين الطوال جداً، إنما أصداء أرواح نعزّي أنفسنا بهم، مثلما نحيل عليهم وننطلق في الكون دون الرجوع إليهم في مآلهم وكأننا علامة فارقة: لا ترابية واقعاً.

العبرة المتحصّلة لا تكمن في أن التراب يحفّز فينا روح المبادرة وملء الكون بأصداء أصواتنا، وما يخص حضورنا فيه، ونحن في مرتقى الجمال والتأمل في المجاهيل ومن يكون وراء هذا المتحول الكوني في عمومه، والترابي في خصوصه بالتأكيد بقدر ما تتجلى العبرة في المنتمي إلى التراب أصلاً وهو غافل عنه، فيما يعنيه من التراب وهو يحاول مفارقته، بينما المد الترابي المرئي وتحت تسمية مختلفة: لحمية وعظمية، يغمره في كليته، وأن ما يلهم في التراب، وما لأجله يكون التراب حقيقة فاعلة فينا، هو الفاعل المجهول فينا وهو ترابي المرجع.

كيف أن التراب الذي نسعى عبر إحالة أشياء كثيرة إلى مثاله في حياتنا اليومية، ونحن نطحنه أو ننعّمه، ونصيغ منه ما يستجيب لرغباتنا في البقاء لزمن أطول، إنما نقلّد ما يفوق قدرتنا في البقاء أحياء، متعامين عن التراب الذي ينشد فينا انطلاقاً من طبيعته ما يضاد رغبتنا تلك، وهو يشدنا إليه: داخله، وأننا رغم اعترافنا بحقيقة منبتنا، نشد الرحال بقوانا إلى ممارسة الأكثر عنفاً فيما يشتتنا، ونحن نتباهى وبتفاوت، بما نمارسه دون النظر ولو لحظة واحدة غالباً في هذا التصارع وسفح الدم، إلى فاجعتنا في أنفسنا، وخيانتنا لحقيقتنا عندما نتلمس في قوانا المبذولة ما يعلو بنا خارج سلطة التراب، والنهي الضمي عن الاعتراف بالتراب، بينما نحن نستعجل التحول إليه في عنفنا الذي يفنينا، أي يسارع إلى مواجهة رغبتنا في الأبدية، بنسبة تماثل شدتها، ليكون أقصى النسيان بلاغة التذكر.

هنا، تكمن عظة التراب التي لا تتطلب أي جهد يُذكر للالتفاتة إليه، لاكتشاف ما يكونه التراب «المهيوب سلطة» في مداه النافذ فينا أرضياً وهو البادي دوننا ونحن نعبث به، رغم مدحنا الفارط له وتقديسنا له، إنما دون مراعاة وجهه الآخر في كلّيته خارج مفهوم الوطن أو المكان المسوَّر حدودياً، حيث يكون الوطن الكوني وتموضعنا فيه وهو المتحول الدائم بين النعومة الهائلة والصلابة اللافتة.

وهو في تعدد ألوانه التي تعطف عليه في تقاسيمه الطبيعية، لتكون علامة إثراء لمكوّنه ونحن نتخذها مدارات لتنوعنا الثقافي والإبداعي واكتشافنا العلمي، والتراب هو هو، لكأنه منطو على سرّه، على أن يسمّيه بما فيه يكفيه وهو في وحدته الكبرى، متفرع في أجناسه وأنواعها يفتح لها جميعاً بمواقيت محددة، وينغلق عليها في أوقات محسوبة، وهو يبث حقيقته الترابية في ذات كل منا.

التراب: الامتحان الذي نرسب فيه دائماً، وهو ملء أسماعنا وأبصارنا، يتنفس داخلنا ويلهمنا بما يوسّع حدود أفقنا الجسدي، ونغفل عن نسبية قوته المودعة فينا وفي تعالينا عليه، ويكتم أنفاسنا بمقاييس عائدة إليه دون مراجعتنا!

أتراها لعبة التراب الملغزة فينا، أم لعبتنا نحن الأحياء العقلاء بالتراب وتشبث بيقين متجذر فينا يحثنا على نسيانه، لنحسن دوام عيش منتظر، لنكون أكثر أهلية لسعادة محلوم بها، أم صنعة من لا يمكن مكاشفته فيما جبلنا به؟

ربما تكون حالةٌ ترابية، فطنتها، إن جاز التعبير فيما يعنيها تجاهنا، ونحن في مستوى مسؤولية التراب وهو المعرَّف به جماداً ليتسنى لنا التصرف وفق أهوائنا وميولنا وحتى أكثر مشاعرنا سمواً وخيالاتنا نقاءً، وكأننا المعنيون به .

وليس هو، كأنه هو المجبول منا لئلا يكون التراب المذرور مرآتنا وكيف يكون تلاشينا، فنكون إزاء حكمة أخرى تجمعنا بالتراب دون عقد موقَّع عليه من كلينا، لكنه يسمّينا معاً، ليزيد في صعوبة الامتحان ودقته، حيث يزداد التفاوت في أهليه والقيّمين عليه، كأن الناجح في الامتحان الترابي لا يعود يفكّر إلا وهو دونه، كأن الرسوب في امتحانه يمد في وجود الخليقة، يحيلها درساً لا يُعلم بحقيقة فحواه إلا مِن قبل واضعه الأعلى حصراً!

إبراهيم محمود