لكل عاشق وطن، ولكل طائر مرساه، ولكل شمس شروق بعد الغروب تحياه، ولكل قلب حبيب مكتوب عليه أن يلقاه. كلمات بعذوبة ماء النهر، تمتزج بنغمات ناي يدوي الصنع لفتى اتخذ من شاطئ النهر مكاناً له، والناظر للفتى من بُعد يتصوره أحد خيالات الظل، ولكنه غير ذلك تماماً، فهو ـ ككل النوبيين ـ يحاور النهر.. يشكو له، فيخرج من صمته ويرد بكل ما يمتلكه من حكمة الدهر. ولم لا؟ فهو الشاهد على كل العصور.
النوبة، بلاد خرجت من تحت عباءة النهر، واستقرت على جانبيه، وهي أشبه بمتحف أقيم في الهواء الطلق، خصوصية المكان باهرة والناس فرضوا عليها نوعاً من التفرد الذي يصعب أن نجده في أماكن كثيرة ليس فقط في مصر وإنما على امتداد العالم.وكان القدماء المصريون يطلقون على بلاد النوبة بلاد «كوش» التي تقع في المنطقة من جنوب أسوان وحتى مدينة الخرطوم، حيث يعيش شعب النوبة، وحيث قامت ممالك امتد نفوذها على وادي النيل مروراً بمصر والأردن وفلسطين حتى جنوب تركيا شمالاً، ويرجع تاريخ النوبة للعصر الحجري، ففي منطقة الخرطوم وجدت آثار حجرية ترجع لجنس إفريقي مختلف عن الموجود حالياً، كما وجدت في المكان نفسه آثار المقابر، وفخاريات وبقايا هياكل حيوانات برية عاشت مع أهل البلاد الذين عاشوا على الصيد وجمع الثمار وزراعة القمح.
ولأن التغيير سمة من سمات الزمن، فتطور المكان عبر آلاف السنين، وأصبح يحتضن النهر ـ النيل ـ الذي لم يكف عن الحوار مع أهل المكان من النوبيين الذين كانوا قديماً يتحدثون لغة خاصة بهم تعرف باللغة النوبية، التي تطورت بدورها إلى عربية ذات لكْنّة خاصة.حيث لغة الحوار الآن، ولغة الأرب بكل أنواعه، أيضاً يتحدثون الإنجليزية والفرنسية بطلاقة بسبب اختلاطهم بالسياح وزوار المكان، فالنوبيون يتميزون بالذكاء وسرعة التقاط المعلومات، ويظهر ذكاؤهم في عيونهم السمراء ذات البريق المبهر، بالإضافة لشهرتهم بالأمانة والإخلاص ودماثة الطبائع، شخصياتهم بسيطة بعيدة عن التعقيدات، قسمات وجوههم صادقة سرعان ما يقع الناظر إليها في حبها. مجتمعهم متماسك، للكبير فيه الكلمة الأخيرة في حالة نشوب أي خلافات اجتماعية أو أسرية.
تمتاز فتيات النوبة بالجمال الأسمر البراق والعيون المتسعة كعيون المها والأسنان ناصعة البياض الرباني من دون التدخل في تعقيدات المساحيق والمعاجين التي تحيل الأسنان لهذا اللون الناصع كلون «السيراميك» الإيطالي الرائع، غالباً ما تكون وجوههن مستديرة كالبدر في ليلة تمامه، وتقول القصص الشعبية ان استدارة وجوههن جاءت من عشق الصبايا للقمر ليلة تمامه، فعشقهن للقمر، وفهمهن جمالياته، وعيونهن الواسعة الكحيلة مستمدة من سكون الليل هادئ حالك السواد، أما خمائرهم الصافية، فأخذنها من صفاء ماء النهر، فالجمال رباني.. وهبته لهن الطبيعة، حياة أهل النوبة بسيطة، انعكس ذلك ابتداءً من جمال أهلها وانتهاءً بالمعمار المتميز مروراً بالفن والأدب والمتاحف.
فما هي ملامح الأدب النوبي الذي تطايرت شهرته وكان للأدباء خصوصية بين أدباء العالم العربي والغربي معاً؟
فكرة الحنين إلى أرض الأجداد ترقد تحت مياه النهر، تسافر إليها قلوب أبناء النوبة بمصر، وتحلق حولها أعمال أدبائها وشعرائه وروائييها، فما زال النوبيون يحتمون بدفء المكان، يحيون في قلبه وانتماؤهم له يؤكد أنه أيضاً يحيا في قلوبهم، فالمبدع النوبي خرج من رحم الهجرة والمعاناة فمنذ العام 1902 عند بناء سد أسوان عرف النوبي معنى التضحية بالأرض والجذور والنخيل، فدخل في صراع غير متكافئ مع هجمات المياه التي تغرق المكان.
ولم تقف التحديات ولم يتوقف معها الإبداع النوبي، وتحت ظلال هذه الأطروحات، وهذا الحنين دارت أحداث الرواية النوبية وتشكلت ملامح الأدب النوبية بقضيته الأزلية «التهجير». وللأديب حسن نور في إحدى رواياته الرائعة يصف أهل النوبة وطبائعهم وعاداتهم وتركيبتهم النفسية والاجتماعية، فمعظم أدبه ـ أدب حسن نور ـ هو عبارة عن أنثروبولوجيا بملامح الناس والأرض والمكان.
ومن خصائص الأدب النوبي الإسراف في وصف البيئة النوبية، وهو ملمح أساسي لكل الأدباء، تفسره فكرة الحنين إلى الماضي رغم مُضيّ سنوات وسنوات على التهجير وترك النوبة الجديدة.
أيضاً طبيعة العلاقات بين أبناء المجتمع النوبي الحالي تلعب دوراً في هذا التعلق الروحي الذي انعكس على أقلام الأدباء ولغتهم التي تتميز بحس إنساني شاعري، تتضمنه دقة في تفاصيل وصف الناس والمكان والتاريخ بلغة تصويرية مجازية، عاكسة الطاقة الانفعالية والعاطفية لأهل النوبة، وهذا التكنيك الفطري أحياناً يتضح بصورة دقيقة في كتابات «أشا أشري»، أو «عائشة الجميلة» ـ لو ترجمنا الاسم من النوبية إلى العربية.
ويتضح ذلك بجلاء في إحدى قصصها القصيرة من مجموعة «ليالي المسك العتيقة»، والتي تقول في ملمح منها يدل على عذوبة الأدب النوبي: «ها هي فتاة نوبية تجلس إلى جوار نهر النيل المبارك، الذي يتهاوى كحلم مُدته دقيقة كأنما غمازات سمحة في وجه فتاة خمرية تتهادى. نيلنا فوقه وحوله هالات من الشفافية، وصوت تموجاته هادئة كخطو وليد بطيء مدلل، ونسائمه عصر للكون، فأشرب منه بعيني.. بأنفي.. بمسامي».
فالأدب النوبي ـ كما نرى ونشعر ـ هو أدب يتمتع بملامح تكسبه خصوصية ـ وتشكل إطاره الفني الوصف الدقيق، ويتضمن عناصر التراث والمجتمع والبيئة، يحمل بداخله الأعراف فلا يخلو من ذكر النهر، والرمال والخضرة والسماء، ودوران الساقية، ومفردات المنزل النوبي ذات الخصوصية المتفردة جداً، والملابس وجماليات النوبيات.
وما زالت رحلتنا مع الأدب النوبي تنساب انسياب النهر بكل جمالياته وحواراته مع محبيه من النوبيين، وإذا ذكرنا الأدب النوبي فإنه يقفز للذهن على الفور محمد خليل قاسم الأديب النوبي العريق الذي رحل عن عالمنا منذ سنوات بعيدة، وتعتبر روايته الخالدة «الشمندورة»، التي كتبها داخل معتقل الواحات، واستطاع أن يهربها من المعتقل ـ مثلما قال رفيق كفاحه يحيى مختار تعتبر هذه الرواية إحدى العلامات البارزة في تاريخ الأدب النوبي.
ورواية «الشمندورة» ـ كما يقول الناقد الدكتور شكري عياد ـ محاكاة لرواية «الأرض» لعبدالرحمن الشرقاوي في وجوه كثيرة، ولكن الفصول الأخيرة من «الشمندورة» أقوى بكثير من الناحية الدرامية من نظيرتها «الأرض»، حسب اعتقاد شكري عياد.
و«الشمندورة»، أشبه بمعايشة الكاتب خليل قاسم في قرية «قتة»، هذه القرية النوبية الصغيرة التي تأثرت حياتها باتخاذ قرار تحويل مجرى النهر في العام 1962 والبدء في مشروع بناء السد العالي.
ولم يتوقف الإبداع الأدبي النوبي عند «الشمندورة» التي تعتبر أقدم رواية في التاريخ الأدبي النوبي، فقد ظهرت العديد من الروايات والمجموعات القصصية والشعرية، منها «بين ظلال النخيل» لعبدالرحيم إدريس في العام 1934، وديوان «الفاتح الشادي» لحسين روم ابن قرية «أبريم» النوبية، وهما يندرجان ضمن أعمال جادة ورائعة.
وبعد العام 1964 توقف الزمن كثيراً في ظاهرة أدبية لافتة للنظر حتى نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، إلى أن ظهرت روايات نوبية مثل «ليالي المسك العتيقة»، و«عروس النيل» ليحيى مختار و«القمر بوبا» لإبراهيم فهمي، و«دنقلة» لإدريس علي، و«بيت النهر والجبل» لحسن نور، وتوالى الأدب النوبي بكل أشكاله ليحتل مكانة الخصوصية والتفرد بين آداب المنطقة العربية، ويرجع ذلك لخصوصية المجتمع وتاريخه.
والمناخ الطبيعي في النوبة وكثرة الأشجار والزروع على ضفاف النيل، وتركيبة خاصة لهذا المناخ، لم يتوصل إليها العلماء العرب والأجانب ـ إلاّ منذ سنوات قليلة أكدت دراستهم في هذا المجال بأن هذه التركيبة المناخية وخليط الهواء بأشعة الشمس، وسخونة الرمال والاخضرار لها جميعاً خاصية رفع فاعلية الجهاز المناعي لدى الإنسان، وبالتالي تجنبه للعديد من الأمراض وخاصة الخطيرة منها في مقدمتها «اللوكيميا» أو «سرطان الدم».
وليس من قبيل الصدفة افتتاح العديد من المصحات لعلاج هذا المرض وغيره من الأمراض، منها النفسية والعصبية، وإقامة المنتجعات الصحية، وربما عبر فيلم «أنت عمري» من بطولة نيللي كريم وهاني سلامة ومنة شلبي وهشام سليم خير تعبير فني عن علاج مرض اللوكيميا، بأسلوب فني رائع محكم الحوار والحبكة الدرامية، حيث هناك مشاهد في الفيلم تعكس بعض الفنون النوبية على إيقاع الدفوف، ورقص نيللي كريم الإيقاعي الرائع، وخلفية من المعمار النوبي الذي يكمل جدارية المكان الخاصة جداً. وقد حصد هذا الفيلم العديد من الجوائز السينمائية.
ومن الفن السابع إلى الموسيقى والغناء النوبي، هنا لابد من أن يقفز للقلب والوجدان والآذان المغني محمد منير من مواليد النوبة في 10 أكتوبر 1954، يلقب ب«الملك» نظراً لتمثيله في مسرحية «الملك هو الملك» من تأليف المسرحي السوري الراحل سعدالله ونوس، وتتميز موسيقاه التي يخلط فيها «الجاز» بالسلم الخماسي النوبي، وكلمات أغانيه العميقة وأسلوب أدائه المتميز بكثرة الحركة على امتداد المسرح، وطريقة إمساكه بالميكروفون، ومظهره المغرق في التلقائية، كل ذلك جعله محبباً لدى كل جيل الشباب من الجنسين خاصة عند إحيائه لحفلات الصيف في الهواء الطلق في مصايف النخبة في مصر، مثل شواطئ مارينا وبورتو سخنة والغردقة وشرم الشيخ، وسرعان ما انضمت إلى جيل الشباب أجيال أكثر تقدماً في العمر وعشقوا منير، وغنوا معه بإيقاعه نفسه، وقد فاز محمد منير بجائزة أفضل مطرب في مسابقة «الميوزيك أوارد» للشرق الأوسط في شهر يوليو 2008 وتعرف باسم «MEMA».
ومن أهم وأشهر ألبوماته «شبابيك» الصادر في العام 1981 وحقق مبيعات هائلة ما زالت تتحقق حتى الآن، وألبوم «علموني عينيك» الصادر في العام 1977، و«شوكولاتة» في العام 1989، و«عشق البنات» في العام 2000، من إنتاج الفيديو كليب أغنية «أنا باعشق البحر»، وألبومه «أنا قلبي مساكن شعبية» في العام 2001 من إنتاج الشركة ذاتها، وصور منه كليب «سو يا سو»، وتعتبر أغنية «مدد يا رسول الله» من أشهر أغانيه وهي من ألبومه «الأرض.. السلام»2002 ولكنه اشتهر باسم «مدد» من إنتاج شركة «أفريكانا».
وهناك ألبومات عديدة أخرى يصل عددها لحوالي عشرين ألبوماً وأكثر.
ولم يقتصر مغني النوبة محمد منير في فنه على الغناء الخاص جداً، وإنما له أعمال سينمائية أهمها «المصير» في العام 1997 و«حدوتة مصرية»، 1982 و«اليوم السادس» 1986 و«ليه يا هرم» و«اشتباه» و«البحث عن توت عنخ آمون» و«يوم حلو ويوم مر» 1988 مع سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.
وقدم مسلسلات أهمها «علي عليوة» و«جمهورية زفتى» ومسرحيات «الملك هو الملك»، و«ملك الشحاتين» و«مساء الخير يا مصر».
والعمارة النوبية هي فن من نوع آخر، وكان للمهندس حسن فتحي جهود رائعة في استلهام تصميم المباني النوبية التي تتلاءم مع مناخ المكان وخصوصيته، فهي تأتي انعكاساً صادقاً للبيئة الحضارية، وهي نتاج العديد من العوامل الاجتماعية والثقافية والهندسية للمكان، فالعمارة النوبية لها دور فعّال في التعامل مع المناخ الحار السائد في جنوب الوادي، فقد بنيت البيوت النوبية على النهر حتى يستطيع الأهالي أن يمارسوا مهنتهم الأساسية «الزراعة»، وبسبب حرارة المناخ جاءت الجدران سميكة عالية حتى تخلق منطقة ظل للحائط نفسه ليحد من شدة الحرارة، والسقف غالباً ما يستخدم فيه جريد النخل المعشق، وفتحت فتحات من جهة الشمال أو الشمال والغرب لمرور الهواء خاصة في المساء.
ويقول حسن فتحي ان المعمار النوبي تأثر كثيراً بمثيله الفرعوني.وأفراح النوبة متعددة، فهم أناس يعشقون المغنى والرقص وقرع الطبول والدفوف، يتميز العرس النوبي بأنه غالباً ما يقام في ليلة تمام البدر، وتبدأ مراسم الزواج بالخطبة (الفرقاد) كما يقول عنها أهل النوبة، ومنذ هذه اللحظة تختفي العروس عن العريس وأهله من الرجال (الزول) وتمكث وسط صديقاتها وجيرانها وقريباتها يرقصون ويزغردون حتى ليلة الزفاف التي تبدأ بليلة الحناء ذات الطقوس الخاصة جداً المنقوعة في ماء الورد والزهور والجويد والبخور ثم تبدأ «الحنانة» في رسم جسم العروس كله بالحناء.
وهو فن نوبي قديم وسوداني برع فيه أهل السودان والنوبة، ويتم ذلك وسط الأغاني والزغاريد ثم ترتدي الزي الشعبي غالباً ما يكون أحمر مطرزاً بالذهب، وعلى العروس أن ترتدي ستة أزياء خلال ليلة زفافها على الزول الذي طال انتظاره لليلة العمر. ومن أشهر الأغاني النوبية في ليلة العرس «حبيبتي زينا.. زينا.. غزالة في وادينا.. من القمر مكسوف.. وتميل.. وأميل..» وتظل تردد هذه الكلمات في نغمات صاخبة ودق الدفوف والطبول والصاجات حتى تصل العروس للزول (راجلها) كما يطلق عليه أهل النوبة والسودان.
منى مدكور


