لا يجد مبدع دربه نحو الشهرة إذا لم تشمله رعاية من صنف ما تقدمه، تدفعه، تعزز خطاه، تسلط عليه ضوء الأبوية، وذات أبوية كانت الرعاية الماركسية تضع تحت أنوارها من انخرط في ايديولوجيتها وتقدمهم إلى العالم من نافذة (على شاكلتنا)، وهو التعبير الأقرب لمفهوم شللية الابداع الذي ساد لعدة عقود قبلما تنهار منظومة الماركسية إبداعيا، ولتظهر على أنقاضها أوصياء ثقافيين تغيرت أشكالهم ولم تتغير أساليبهم.

فقد لعبت الوصاية الثقافية دوراً سلبياً في ابتعاد الجماهير عن الثقافة كمفهوم عملي يساعد الإنسان على تقبل حياته والعيش بطمأنينة وسط المجتمع، حيث ان الثقافة تحوله من فرد في مواجهة العالم إلى فرد في مجموعة لديها قواسم كثيرة مشتركة. ولطالما كان للوصاية أشكال مختلفة في كل حقول الحياة، لكنها في الثقافة تبدو أكثر وضوحاً فهي وصاية تأسيسية تؤثر مستقبلاً على شكل الأمم ومنتجها الثقافي، وهي ببعديها الفردي والعام تلعب الدور نفسه.

وصاية اليوم حاضرة عبر المهرجانات والندوات وغيرها من الأنشطة التي تتكرر فيها الأسماء وتتشابه من على منابرها الأدوار والأصوات، ونادراً ما يجد المرء صوتا قادماً من عالم خارج الرعاية الأبوية يشق طريقه نحو المنابر، فقد تغيرت ألوان الأمس، ولكنها لم تتغير حكايات الشهرة، وكان يكفي أن يضع ناقد مقالة في مبدع ناشئ من ذات (الشلة) حتى تراه أصبح نجماً لا تفوته طائره تحمله إلى (أبرشيات) أوروبا مشاركاً في مهرجانات الشعر، ولا يوفره موقع الكتروني، وكذا الأمر في الصحف والمجلات، وما أكثرها هذه الأيام..

لقد لعبت الوصاية الثقافية دوراً سلبياً في تقدم الثقافة وانتصارها لقضايا الإنسان، وعملت عبر أوهامها على تأخر كثير من المجتمعات، بل ساهمت في تراجع مجتمعات بأكملها بحجة الأفضلية للناس، ودائماً تستمد تلك الوصاية شرعيتها من جوانب أيديولوجية أو غيرها من الحمايات الأخلاقية (علينا ألا ننسى الدينية) فهي كثيرة هذه الأيام وتكاد تشبه وصاية الماركسية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

عندما كانت النخب الفكرية تساهم في تطور حركة التاريخ، وتزيد الإحساس بأهمية أن تكون الحضارة في موقع القوة والتصدير جاءتنا أخبار أمم صغيرة جداً ولكنها عميقة حضارياً ولم تصلنا أخبار غيرها كبيرة جداً ولكنها مفلسة حضارياً. وهو ما يفسر وصول أخبار بلدان صغيرة إلينا من خلف البحار لأنها توقفت عن الوصاية أو على الأقل أدركت مكمن خطورتها فحاربت الأوصياء والسماسرة، والوسطاء وأطلقت العنان للفكر ليكون سفيراً وطنياً للأمم والشعوب.

hussain@albayan.ae