يحاول غريغ روبنسون في كتابه «مأساة الديمقراطية» تصنيف سلوكية الحكومة الأميركية مع الاميركيين من أصل ياباني في الداخل خلال الحرب العالمية الثانية وقد تمثّلت بسجن واحتجاز 120000 شخص طيلة فترة تلك الحرب و يعتبرها أنها كانت خرقا رسميا للحقوق المدنية لا شبيه له في التاريخ الحديث للولايات المتحدة. ويحاول تقديم فهم جديد لتلك السلوكية مع وضعها في إطار منظور دولي.
وما يؤكده المؤلف هو أن السياسة الرسمية الأميركية ركّزت قبل دخول أميركا في الحرب على مراقبة «الأعداء الأجانب»، وعلى رأسهم اليابانيين، وبنت وزارة الحرب مسبقا «معسكرات اعتقال». وإذا كان مثل هذا الأمر معروفا لكُثر فإن الجديد هو في دراسة المؤلف للمجال الذي يغطي العديد من بلدان القارة الأميركية الأخرى، وخاصة كندا والمكسيك، حيث يؤكد أن الآلاف من الأميركيين اللاتينيين ذوي الأصول اليابانية قد جرى أيضا ترحيلهم إلى الولايات المتحدة ليصار إلى حجزهم في معسكرات الاعتقال.
كما تتم الإشارة في نفس السياق أن المكسيك كانت قد قامت بتجميع اليابانيين من مواطنيها على الشواطئ الغربية للبلاد منذ مطلع شهر يناير 1942، أي قبل أن تأخذ واشنطن قرارا مشابها بأكثر من شهر. ثم إن المكسيك كانت قد أعلنت الحرب على اليابان قبل عدة أشهر من الولايات المتحدة.
ويتم التعرّض طويلا في الكتاب إلى «الحرب في هاواي» التي يجهل وقائعها أغلبية الأميركيين. ويؤكد روبنسون أنه بعد قيام اليابانيين بهجومهم على قاعدة «بيرل هاربور» الأميركية في الجزيرة، قام الجيش الأميركي بإعلان «القوانين العرفية» في هاواي وعلّق الدستور الأميركي المطبّق وعلّق عمل الحكومة المنتخبة. بل وألغى المحاكم العادية كي يقيم محاكم عسكرية للنظر في القضايا الجنائية، حتى تلك التي كان بعض أطرافها من المدنيين الأميركيين.
ولا يتردد المؤلف في هذا السياق عن تشبيه دور تلك المحاكم العسكرية الأميركية بالتي تقوم بمحاكمة سجناء ومعتقل غوانتانامو في السياق الراهن. في الحالتين هناك خرق للحقوق المدنية التي تؤكد عليها القوانين النافذة للولايات المتحدة.
لكن بالمقابل، وهذا ما يؤكده غريغ روبنسون أيضا بأشكال مختلفة، يكمن مصدر القلق الحقيقي الذي تمثله عملية «احتجاز» مواطنين أميركيين وكنديين ومكسيكيين، على خلفية انتماءاتهم الاثنية «اليابانية»، في إظهار «فشل الديمقراطية أمام الضغوط». وهذا ما يسميه «غريغ روبنسون» ب«مأساة الديمقراطية» حيث دفع عدة آلاف من اليابانيين، المواطنين أو المقيمين منذ فترة طويلة من الزمن، ثمن أفعال لم يكونوا مسؤولين عنها أبدا. لقد جرى انتزاعهم بسبب انتمائهم «العرقي» من منازلهم وجرى اقتياد أغلبيتهم إلى المنافي والحجز الداخلي.
وقامت الحكومة الأميركية قامت خلال فترة الحرب العالمية الثانية بإصدار قرارات «عن طريق وزارة العدل باحتجاز عدة آلاف من الأجانب اليابانيين، ولكن أيضا عدة آلاف من الإيطاليين والألمان. هؤلاء جميعا جرى استجوابهم بعد اعتقالهم مباشرة وتم تحويل من اعتبروه «خطيرا» منهم إلى معسكرات الاعتقال. وفي كندا قررت الحكومة الفيدرالية استجواب عدة مئات من الأجانب «المحتجزين» بعد فترة طويلة من احتجازهم. لكن الأمر اختلف بالنسبة للأميركيين ذوي الأصول اليابانية من سكان الشاطئ الغربي لأميركا، وللكنديين ذوي الأصول اليابانية حيث جرى احتجاز مجموعات كاملة بمن فيهم الأطفال ودون استجواب في أماكن بعيدة.
لا يقتصر غريغ روبنسون على دراسة ما تعرّض له ذوو الأصول اليابانية في أميركا الشمالية خلال الحرب العالمية الثانية ولكنه يدرس أيضا إجراءات الرقابة التي تعرّضوا لها قبل الدخول في الحرب ودور الأميركيين اليابانيين في معركة الحقوق المدنية بعد الحرب، هذا مع التركيز على دراسة أوضاع اليابانيين عامة على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة الأميركية، وترحيل الآلاف ممن كانوا يعيشون في أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة لاحتجازهم. الظاهرة دولية إذن، وهذا ما يصل إليه المؤلف.
الكتاب: مأساة الديمقراطية يابانيون سجناء في أميركا
تأليف: غريغ روبنسون
الناشر: جامعة كولومبيا ـ2009
الصفحات: 408 صفحة
القطع: المتوسط
A tragedy of democracy
Greg Robinson
Columbia University Press - 2009
P.
