لا يكتفي مارك ر. لوفين في كتابه «الحرية الاستبداد» بالعودة إلى مبادئ أو أفكار المؤسسين الأوائل لشرح أسس التوجّه الأميركي المحافظ لكنه يقوم بتحليل دقيق للحجج السياسية. وهو يحاول عبر هذا إقامة نوع من الحوار بين الحاضر والماضي أو ما يسميه بـ «المزاوجة بين ما يتجاوز الزمن وما هو زمني». وما يحرص عليه المؤلف بوضوح هو تقديم أفكاره وتحليلاته بأسلوب بعيد عن التعقيد لمختلف مسائل الفكر السياسي بحيث يمكن لأوسع الشرائح من القرّاء مناقشتها.
ولا يغيب عن اهتمام المؤلف المنظور المستقبلي الذي يرى أنه من واجب الأميركيين جميعا الاهتمام به، نظرا للتحديات الكبرى التي تواجه بلادهم على مختلف المستويات.
يستعرض المؤلف ما يعتبره إطار المفاهيم السائدة في الولايات المتحدة اليوم تحت عنوان «حول الحرية والاستبداد». وهو يميّز بشكل عام بين تيارين عريضين على مستوى الفلسفات السياسية الأكثر بروزا على الساحة الأميركية اليوم. إنهما تخصّان «المحافظين» و«الليبراليين». أما المحافظون فإنهم يجدون مرجعياتهم لدى قيم وأفكار «الآباء المؤسسين» الأميركيين وتوجهاتهم على صعيد الاقتصاد. هكذا تتعدد المرجعيات وتتنوّع من القديس اوغسطين حتى الكسندر هاملتون.
وعلى الجانب الآخر يقوم مارك لوفين بشرح المسار التاريخي لمفهوم اللبرالية كي يصل إلى التأكيد أن هذا العنوان «اليافطة» لم يعد ذا دلالة واضحة، ذلك أن الاستخدام الشائع لتعبير «اللبرالية» قد أصبح بعيدا كل البعد عن المعنى الأصلي الذي اكتسبه والذي كان يقوم بشكل أساسي على مبدأ الحرية.
نقرأ: «يقول الحزب الليبرالي الحديث بضرورة إنهاء دور الدولة الحديثة. وأشكال النقص الكبير لدى الفرد والاهتمام الشخصية أمور تعيق كلها تحقيق أهداف أية دولة. بهذا المعنى تشجّع الليبرالية الحديثة ما يسميه المؤرخ الفرنسي الكسي دوتوكفيل بالاستبداد الرخو والذي غدا ضاغطا أكثر فأكثر كي يؤدي جزئيا إلى الاستبداد الصلب.
ويقدّم مارك ر. لوفين شرحا مسهبا ومبسّطا للأسباب التي جعلت من الأمة الأميركية أحد أكثر أمم العالم تأكيدا على دور الإيمان الديني في العناصر المؤسسة لها. وهي أيضا أحد أكثر أمم العالم توزعا للكنائس فيها من بروتستانتية وكاثوليكية وإنجيلية إلى جانب العديد من «المجموعات» الصغيرة التي تؤكد على «خصوصياتها» العقائدية. لكن يتم التأكيد مع هذا كله على أحد الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور الأميركي والمتعلق بحرية البشر عن التعبير عن معتقداتهم. إنه أحد الحقوق الطبيعية الأساسية في الولايات المتحدة.
كما يقدم المؤلف ما يسميه «البيان المحافظ». ويحدد فيه عشر نقاط أساسية يرى أنه ينبغي على المحافظين الأميركيين إتباعها إذا أرادوا أن يأملوا القدرة على صد المد الليبرالي الذي تشرّبت فيه توجهات الحكومات الأميركية المتعاقبة، كما وصل أثره الواضح إلى القوانين نفسها. وتتمثل القاعدة الأساسية في هذا «البيان المحافظ» بالتأكيد على مفهوم الأمة والمواطنين الأحرار وبحرية الإيمان والمعتقد الديني.
والوجه الآخر في هذا البيان هو تقديم أشكال من النقد لـ «مبادئ اليسار» مثل القول بـ «عدالة اقتصادية اجتماعية» ومطالبة هذا اليسار بـ «عقد اجتماعي جديد» وشرح محاولته السيطرة على الكثير من المؤسسات فـ «معاقل الفكر الليبرالي تهوى الأوساط الجامعية ووسائل الإعلام التقليدية». ويؤكد مارك ر. لوفين على «الشهية التي لا ترتوي «لدى اليسار للاستئثار بالسلطة لدى الديمقراطيين الأميركيين وفي البيت الأبيض ولكن أيضا في بعض المؤسسات أثناء إدارة جورج دبليو بوش. ولا يتردد المؤلف في إظهار معارضة لإجراءات يؤكد عليها الديمقراطيون تخص ميدان الصحة، ويسخر من الحديث المتكرر عن «سخونة الأرض».
و«بيان محافظ» صادر عن كاتب محافظ، ومحاولة لرسم نوع من «خارطة الطريق» بالنسبة لليمين الأميركي في القرن الحادي والعشرين.
الكتاب: الحرية والطغيان
تأليف: مارك ر. لوفين
الناشر: ثريشولد ـ نيويورك ـ 2009
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
