يحاول ريشارد هولمز في كتابه «عصر الاندهاش العلم و الرومانسية» توضيح أن «الرومانسية» و«العلم» ليسا خصمين أبديين. بل يؤكد أنه عندما نهضت الرومانسية في بريطانيا أوائل القرن التاسع عشر كانت الكيمياء وعدد من المشارب العلمية الأخرى، خاصة علم الفلك والفيزياء موضوع تعلّق «رومانسي» لذهنية جديدة.
ويحدد ريشارد هولمز العنصر الأساسي في الرومانسية ب«التوسّع والامتداد». ولا يتردد في وصف البريطانيين «جوزيف بانك» و«مونغو بارك» بالرومانسيين عندما سعيا لاكتشاف إفريقيا وبولينيزيا وابتعدا عن النزعة الأوروبية المركزية التي تدور حول تمجيد ذاتها. ورأى «هامفري ديفي» في الكيمياء والكهرباء القول أن الأدباء والشعراء وكافة المبدعين أثارتهم إلى حد كبير الاكتشافات العلمية وقوى الطبيعة واعتبروها في تناسق كامل مع التطلعات نحو أدب يتجاوز القوالب التقليدية.ويقارن ريشارد هولمز بين مسارين «رومانسيين» أحدهما للعالم السير همفري ديفي الذي يحظى باهتمام كبير في هذا الكتاب، والآخر هو الشاعر كولريدج. ويصف الأول أنه عالم كبير وشاعر على مستوى الهواية والثاني شاعر تأثر إلى حد كبير بأعمال ديفي في ميدان الكيمياء التي كانت موضع اهتمام كبير في بريطانيا ببدايات القرن التاسع عشر.
لكن الفرق بين الرجلين هو أن «ديفي» حقق نجاحا اجتماعيا كبيرا بينما أن حياة الشاعر كولريدج كانت ممهورة بكل أشكال التطرف. وكان ديفي قد دعا كولريدج لإلقاء عدد من المحاضرات في المؤسسة الملكية البريطانية عام 1808. لكن كان من العسير على الشاعر القيام بهذه المهمة بسبب ما كان يعاني منه من جراء تعاطيه للمخدرات. وينقل المؤلف عن ديفي قوله عن كولريدج: «لقد عانى كثيرا من فرط الحساسية، إنه مرض العبقرية. إن روحه مثل صحراء لا يمكن لأشجار الأرز والسنديان أن ترتفع عاليا نحو السماء بسبب ما يكبح نموّها من أشواك ونباتات طُفيلية».
ويشير المؤلف إلى الرسالة الأخيرة التي بعثها كولريدج إلى ديفي عام 1809 وهي التي يؤكد له فيها مودته العميقة للإنسان في شخصية صديقه لكنه يرفض بشكل قاطع الفكرة القائلة أن العلماء الكبار يتساوون مع الفنانين الكبار.
إن التوصيف الذي يقدمه ريشارد هولمز الشخصية «ديفي» على مدى النصف الثاني من الكتاب، يمثل نوعا من محاولة إلقاء أضواء جديدة على العلم كنشاط لا يتسم فقط بالجفاف. إنه يقدمه كإنسان مثقف ويقرض الشعر ويحب الترحال والسفر حيث لم يتردد في زيارة فرنسا عندما كانت في حالة خصومة شديدة مع بريطانيا وحيث أراد أن يتمتع بباريس من ذلك القدر الكبير من الروائع الفنية.
بالمقابل هناك الكثير من «الرومانسية» في توصيف «المغامرات»، التي يقدمها يشارد هولمز العلماء كبار في مختلف الميادين التي ولجها العلم من أجل سبر أسرار الكواكب والمجرات والمحيطات وجوهر المادة. وهي مغامرات «ليست أقل رومانسية»من سبر أغوار عالم الشعر والنفس الإنسانية. وفي مثل هذا النهج من التحليل لا يتردد المؤلف في القول أن السير همفري ديفي لم يكن كيميائيا رومانسيا ، لكنه كان رومانسيا بكل ما تعني هذه الكلمة، وبالتالي يستحق أن يحد مكانه إلى جانب الكبار في مقبرة عظماء الرومانسيين من أمثال شعراء ومبدعين مثل بايرون وشيللي وكيتس وغيرهم. «إنه مثال وعبقرية العلم الرومانسي».
وفي المحصلة وعلى عكس الفكرة السائدة القائلة أن العلم والرومانسية متعارضان غالبا، يحاول ريشارد هولمز أن يقدم البراهين على أن سنوات 1770-1830 لم تشهد خصومة كبرى بين العلم والفنون وإنما شهدت بالأحرى «تعاونهما الوثيق في التمعّن بالطبيعة وروائعها»، لكن اعتبارا من عقد الأربعينيات في القرن التاسع عشر أصبح العلم «أكثر احترافا» وبرز تعبير «العلمي» لتوصيف نشاط العلوم في حقول المعرفة الجديدة. لكن تبقى قناعة هولمز، مؤلف هذا الكتاب، أن العلم «أكبر من مجمل أفعاله».
الكتاب : عصر الاندهاش
العلم والرومانسية
تأليف: ريشارد هولمز
الناشر: هاربر برس ـ
لندن ـ 2009
الصفحات: 380 صفحة
القطع: المتوسط
The age of wonder
Richard Holmes
arper Press - London - 2009
- 200

