منذ السطور الأولى يكتب مارسيل كونش في الجزء الرابع من كتابه «يوميات غريبة»، إنه يروي قصة قرار الرحيل من بلدته الصغيرة وسط فرنسا للإقامة نهائيا في جزيرة كورسيكا.
كان كل شيء يدل على أن الحياة قد أصبحت وراءه، لكن ها هو في السادسة والثمانين يتخذ قرار جريئا ليعيش «مغامرة حياة جديدة». وهذا كله بفضل «إميلي»، التي تحدد مهنتها أنها «راعية» في إحدى مناطق جزيرة كورسيكا. ولكن راعية قارئة تعشق الأدب والفلسفة اليونانيين، ومن هنا جاء اهتمامها بالفيلسوف مارسيل كونش. ووصل إعجابها فيه إلى حد أنها جاءته يوميا حتى بلدته الصغيرة التي كان يعيش فيها. كان ذلك في عام 2001 وطلبت منه يومذاك أمرا واحدا هو أن يعلّمها اللغة اليونانية.
ولم يكن ذلك مجانا، بل كان له مقابل تمثل في أنها قرأت للفيلسوف الطاعن في السن بصوتٍ عالٍ كتاب «النبي» لجبران خليل جبران وعرّفته على أعمال جلال الدين الرومي، ملهم فرقة الدراويش «الذين يدورون حول أنفسهم». هكذا اطلع الفيلسوف ذو النزعة الأبيقورية-الحسية، على الشعر الصوفي الذي تحفل فيه الثقافة الإسلامية.
غادرت «إميلي» بعد ذلك قرية الفيلسوف إلى حيث تقيم في جزيرة كورسيكا. ولكن بدأت مرحلة جديدة من «علاقة» الفيلسوف بالراعية، هذه العلاقة التي تشابه كثيرا حكايات الأساطير، عبر تبادل الرسائل. يكتب مارسيل كونش: «لقد عرفت معها ما هي حياة الروح النقيّة وعرفت أيضا أن الجسد هو أيضا روح». كانت «اميلي» تهتم بأحصنتها وترعى ال700 شجرة زيتون التي كانت هي نفسها قد زرعتها في أرض الهضبة التي كانت قد اقتلعت أشجارها وحضّرتها من أجل مشروع حياتها.
ونقرأ مما كتبه مارسيل كونش في إحدى يومياته لشهر سبتمبر من عام 2008 ما نصّه: «ينبغي علي الذهاب إلى كورسيكا. هناك فقط يمكن للنار التي تتجسد في أعماقي أن تلتقي بنار أخرى». وفي ذلك الشهر أغلق الفيلسوف باب المنزل الذي كان يقطنه منذ سنوات ويعتبره مقرّه الأخير قبل الرحيل عن العالم، وقرر أن لا يفتح ذلك الباب مرة أخرى.
لقد حمل معه في سيارته الصغيرة بعض الكتب العزيزة على قلبه. كتب «مونتين» و«ابيقور» و«لاو تسو». وتوجه نحو مرسيليا ليأخذ بعدها السفينة التي أقلته إلى كورسيكا حيث اشترى منزلا متواضعا بمحاذاة الطريق المؤدية إلى البحر. والمهم بالقرب من اميلي. ويقول إنه سوف يضع رأسه ذات يوم على حافة مقعد حجري و«يرقد» حيث ستتابع التحدث إليه».
وبذهابه إلى كورسيكا اقترب مارسيل كونش أيضا من اليونان التي طالما أحبّها وكتب عنها. وابتعد كما يقول عن «بلدان البرد» التي كان اعتقد الفلاسفة من أمثال ديكارت وكانط وهيغل الذين اعتقدوا أنه بإمكانهم أن «يسجنوا العالم ضمن منظومة» عقلانية. أما هو فهو قرر أن يحتفل بما أسماه شيشرون «الصداقة العاشقة». هكذا امتلك البرهان اليقين على ما كان قد قاله طيلة حياته دون توقف، وهو أن الفلسفة لا دور لها في الوصول إلى السعادة. هذه السعادة يتم الوصول إليها بكل بساطة، إذ يكفي أن يلتقي شخصان في إطار الحرب.
وكان مارسيل كونش كما يقول قد كتب القسم الأكبر من هذا الجزء الرابع من يومياته عندما كان لا يزال في قريته الصغيرة وسط فرنسا. لكنها يوميات لا تخضع لمفهوم التسلسل الزمني. وهذا ما يعبر عنه نفسه بالقول: «إنني أذهب نحو المغامرة، وأقطف كل شيء منذ اللحظة التي أجد أن هناك ما يثير- إن أفكاري تتشرد على هواها حيث أدون ملاحظاتي حول شعراء وكتاب وفلاسفة وأيضا حول مسائل تتعلق بالأخلاق السياسية والماورائيات، بل وتبادل الرسائل مع بعض الأصدقاء حولها.
بالطبع «يتحاور» مارسيل كونش مع فلاسفة اليونان والرومان القدامى حيث نجد القارئ نفسه أحيانا برفقة لوكريس والقديس اوغسطين ومونتين. وأحيانا برفقة «جون دورميسون»، أحد أشهر فلاسفة فرنسا اليوم. إنه يعرض من جديد قناعاته التي لم يتزحزح عنها طيلة حياته وفي مقدمتها اعتباره لألم الأطفال «فضيحة ووصمة عار بوجه البشرية.
ويطالب بضرورة أن تقرّ القوانين إرغام الأقوياء على مساعدة الضعفاء. ويصل المؤلف إلى القول: «إذا كانت الأخلاق تقوم على أساس ذاكرة الألم فإن الحكمة تقوم على أساس ذاكرة الفرح. ومن الواضح أن حضور «اميلي» يتعاظم في الكتاب كلما تقدم القارئ في صفحاته. ونقرأ: «لدي الإحساس أنني عشت حقيقة إلى أن وقعت في شباك الحب». ونقرأ في موضع آخر: «أن فصول هذا الكتاب لا تخضع فقط لصدفة توارد الأفكار. ولكنه موجّه، ووجهته هي نحو اميلي التي ستعطي اسمها للجزء الخامس من هذه اليوميات»، فبانتظار الجزء الخامس.
الكتاب: يوميات غريبة
تأليف: مارسيل كونش
الناشر: ليبيل ـ باريس 2009
الصفحات: 340 صفحة
القطع: المتوسط
Journal étrange 4
Marcel Conche
Les Belles - Paris - 2009
p. 340
