«الحجرات» التي تكتب ميشيل بيرو تاريخها في كتابها المعنون «تاريخ الحجرات» هي تلك الغرف التي تمثل «مجالاً خاصاً» ذات أهمية كبيرة بالنسبة للنساء ولجميع البشر. ثم إن الغرف هي الأمكنة التي تؤدي إليها دروب عديدة مثل رغبة النوم ورغبة الخلوة، الإرادية أو القسرية، والقراءة، وهي منذ الولادة حتى الاحتضار، مسرح الوجود للإنسان الذي يريد أن يتوحّد مع ذاته ومع جسده داخلها.
ولا شك أن للغرف «بنيتها» النموذجية حيث تتألف من أربعة جدران وسقف وأرض غرفة وباب أو أبواب. لكن هذا لا يمنع المؤلفة - المؤرخة من تقصّي التطورات التي عرفتها أبعادها و«ديكوراتها» حسب الحقب وحسب الأوساط الاجتماعية.إن المؤلفة تقدّم ما تعتبره «شجرة نسب» الحجرات ـ الغرف- منذ الأزمنة القديمة حتى العصر الراهن. وهي تؤرخ لهذه «البوتقة التي تأسست بداخلها معالم كثيرة من الثقافة الغربية». ويتم في نفس السياق توصيف عدد من الأشكال-النماذج التي أخذتها عبر الزمن. ذلك من «غرف الملوك» وحتى «غرف المرضى أو من هم على سرير الموت»، ومرورا ب«غرف الفنادق وغرف الزوجين وغرف الأطفال وغرف الخدم» الخ.
وتتحدث ميشيل بيرو عن «مختلف الغرف الانعزالية» مثل «صومعات رجال الدين» و«زنزانات السجون» و«غرف الطلاب» و«غرف الكتّاب». وبكل الحالات تبقى الحجرات بكل أنواعها مستودعات للأسرار، في الليل وفي النهار. وتعرّج المؤلفة في هذا السياق إلى الحديث عن تجربتها الشخصية لتتحدث عن غرف الفنادق التي كانت هي نفسها قد نزلت فيها بمناسبة ندوات ومؤتمرات محلية أو دولية وتعتبرها أنها «مكان العزلة بامتياز». كما تعتبرها أيضا «المجال الديمقراطي بامتياز» حيث يمكن لأي إنسان النزول فيها.
وتشير إلى أن كافكا، أحد أشهر أدباء الحداثة، لم يكن يحس أنه في أي مكان أفضل مما هو عندما يكون في «غرفة فندق». فهو وحده الذي يملك «مفتاحها». وبنفس الوقت هي المجال الذي لا يمكن امتلاكه. وهذا أمر كان يروق كثيرا لكاتب وفيلسوف مثل جان بول سارتر، وما يؤكد عليه كثيرا من خلال شخصية «روكانتان» بطل روايته الشهيرة «الغثيان».
وتشير المؤلفة في تأريخها ل«الحجرة» بمفهومها الحديث على أن القرن السابع عشر كان «العصر الذهبي» الأول لها بوجود غرفة الملك «في المركز» وحيث كانت «تتجسّد العلاقة بين العام والخاص». وكان الملك قد جعل من غرفته الخاصة «مقر السلطة» لكنه كان يتألم بنفس الوقت من فقدان هذا المجال ل«خصوصيته»، وكان لويس الرابع عشر لا يتردد في الإعراب عن ذلك. وبعده اكتست الغرف، حتى الملكية منها، قدرا أكبر من الخصوصية. وتنقل المؤلفة في هذا السياق عن الفيلسوف باسكال قوله في القرن السابع عشر: «إن كل آلام البشر مصدرها أمر واحد هو عدم إمكانية الراحة داخل الغرفة».
ويرتبط تاريخ الغرفة إلى حد كبير بتاريخ السرير، كما تشرح المؤلفة-المؤرخة، وتنقل عن الكاتب بومارشيه قوله: «أنا أتحدث عن السرير، فإذن أتحدث عن الغرفة». ذلك على أساس أنه لا يمكن تصور الغرفة بدون سرير، فهذه الحالة تأخذ تسمية أخرى. ذلك أن وظيفة الغرفة مرتبطة بالخلوة وبالنوم وبالراحة وبالمكان الذي يمضي فيه البشر فترة طويلة.
لكن التطور الحديث ولّد جديدا على صعيد «توزيع الغرف» داخل البيوت، خاصة فيما يتعلق بتلك الغرف التي كانت مخصصة للمرضى أو لمن هم على فراش الموت والتي كانوا يطلقون عليها تسمية «الغرف التي تتألّم». وبالتوازي ازدهرت غرف الحمام والغرف المفتوحة والغرف على مستويين، هذا إلى درجة أن الأمر بدا بمثابة الإعلان عن انهيار «المفهوم التقليدي» للغرفة. ذلك على خلفية ممارسات اجتماعية جديدة وعلى تطور مجال الاستطباب والصحة. ولا تتردد المؤلفة في القول ضمن هذا السياق أن «مستقبل الغرفة غير مضمون».
لكن لا شك أن الغرفة تأخذ أكثر فأكثر دلالتها ك«مكان» للانغلاق على الذات. وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى رواية ايفان غونتشاروف التي تحمل عنوان «اوبلوموف» حيث يرسم صورة إنسان يغلق على نفسه غرفته ولا يعود يهتم بأي شيء خارجها. كان الروائي يريد توجيه النقد لمواطنيه الروس آنذاك ـ منتصف القرن التاسع عشر- الذين لا يستطيعون الانفتاح على الحداثة.
الكتاب: تاريخ الغرف
تأليف: ميشيل بيرو
الناشر: سويل ـ باريس 2009
الصفحات: 456 صفحة
القطع: المتوسط
Histoire de chambres
Michèle Perrot
Seuil - Paris - 2009
.P

