في رواية الكاتبة البريطانية هنري مانتل العاشرة بعنوان «قصر الذئب» التي فازت مؤخراً بجائزة بوكر، نطل على انجلترا في عشرينيات القرن السادس عشر، لنجدها قاب قوسين أو أدنى من كارثة، فلو أن الملك هنري الثامن مات من دون أن يعقب وريثاً ذكراً للعرش، لتعرضت البلاد للدمار في غمار حرب أهلية دامية.
هكذا لم يكن من العجيب أن هنري الثامن كان مشغولاً بتحقيق رغبته الجارفة في إبطال زواجه الذي دام عقدين من الزمن من كاترين والزواج من آن بولين، وهي الرغبة التي كان يعارضها بابا روما ومعظم ملوك أوروبا وأمرائها.وعلى امتداد الجزء الأعظم من صدر الرواية سنتابع الدمار الذي يتعرض له الكاردينال ولسي، المستشار المتألق للملك هنري الذي يسقط إزاء فشله في تحقيق رغبة الملك، ومن ثم يترك فراغاً ملموساً في السلطة.هنا على وجه الدقة سيأتي دور توماس كرومويل، رجل الدولة المثالي ونهاز الفرص في آن، الذي يجمع بين الجاذبية الشديدة والنزوع إلى التنمر، ويملك قدرة فريدة على قراءة الناس، كما لو كانوا صفحات مفتوحة أمامه ويحظى بطاقة لا نهاية لها على العمل والإنجاز.
وسيقدر له أن يغدو المستشار الأول للملك هنري على امتداد عشر سنوات، ولكن العاهل الإنجليزي رجل مزاجي، متقلب، فهو في يوم يبدو شديد الرقة، وفي اليوم التالي يغدو هادراً كعاصفة، ولا يتردد في غمار هذا كله في أن يكون قاتلاً لأقرب الناس إليه. وكرومويل يساعده في تحطيم المعارضة. ولكن ما الثمن الذي ينبغي دفعه لهذا الانتصار؟
لقد كتب الكثير عن عصر هنري الثامن وعن الدور الذي لعبه توماس كرومويل تحت آفاقه، لكن مانتل تقدم لنا بأسلوب يستعصي على التقليد صورة مدهشة لمجتمع لا يزال في مخاض عنيف وهو يقف عند منعطف تغيير هادر، حيث يكافح الأفراد أو يعانقون مصيرهم بمزيج من الشجاعة والانفعال.
نحن حيال حشد هائل من الشخصيات، وأحداث تمضي هادرة ومتدفقة، وعلى الرغم من أننا نعرف مسبقاً خاتمة الأحداث ومصير الشخوص إلا أن مانتل تملك عبقرية إعادة إحياء هذه المرحلة التاريخية الفريدة التي كان الشخصي والسياسي فيها لا يفصلهما إلا مقدار شعرة والنجاح يجلب معه سلطة تمتد بلا حدود على حين يحمل الفشل معه موتاً مؤكداً.
وفي حقيقة الأمر فإن الطموح الذي تجسده رواية مانتل لا يقل عن إعادة كتابة تاريخ إنجلترا في الفترة من 1527 إلى 1535 مع اقتناص توماس كرومويل للبطولة.
لسوف نلتقي كرومويل في وقت جد مبكر في حياته، لنجده الابن الضعيف الواهن الذي يتعرض لشراسة أبيه، الحداد السكير من بوتني، وما يلبث الفتى أن يهرب من الدار، حيث تبعد مانتل الضوء عنه، لنعود فنلتقيه وقد التحق بخدمة كاردينال ولسي، ونعلم مما يكشفه لنا كرومويل، وهو لا يكشف عن الكثير، أنه عمل محارباً مرتزقاً في فرنسا، وعمل مع رجال المصارف في فلورنسا، وأمضى بعض الوقت في العمل بتجارة الملابس، وأمضى سنوات عدة في العمل محامياً.
ويحيط كرومويل نفسه بغموض مكثف، وهو أمر لا يعترض عليه ولسي، بحيث اننا في النهاية نجد أن هنري الثامن يعتقد أن كرومويل نشأ في أحد الأديرة، الأمر الذي يجعله ملائماً في إنجاز عمل الكاردينال القائم على إغلاق الدور الدينية لبناء المدارس والجامعات.
إن كرومويل رجل إصلاح، ولكنه ليس متشدداً دينياً، وهو يجد الممارسات القديمة شيئاً غير مقبول، ولكنه من ناحية أخرى يضيق ذرعاً بعناد أولئك الذين يحاول إبرام صفقة باسمهم.
وهو يلعب اللعبة الكبرى من دون احترام للقب أو المرتبة. وعلى سبيل المثال فإنه عندما يتحدث دوق نورفولك، عم آن بولين، عن وقاحة كاردينال ولسي ساخراً بقوله: «إن قبعة الكادينال ليست كبيرة بما يكفي بالنسبة له، ووحده التاج سيكون كافياً لفتى ولسي الدموي اللعين، هكذا أقول لكم، هكذا أقول لكم!»، فإن كرومويل يحدث نفسه قائلاً: «كان حرياً بسيدي أن يكون ملكاً ممتازاً، رحيماً للغاية، ووثقاً تماماً وعادلاً في مداولاته. وكان حرياً بحكمه أن يكون أفضل حكم، وبخدمه أن يكونوا أفضل خدم ولشد ما كان سيستمتع بوضعيته».
ومانتل تدرك ببصيرة ثاقبة أن نورفولك ومن داروا حوله لديهم ما يكفي من الأسباب ليكرهوا كرومويل ويخشونه من دون أن يحتاج كرومويل إلى أن يكون كريهاً أو مخيفاً، فقد كان كافياً لهم أن يكون لا منتمياً من أصل متواضع، لا يتقيد بالعرف ويتصل من ناحية بالملك ومن ناحية أخرى بالمرابين.
غير أنه في نهاية المطاف لا يمكن للقارئ أن يؤيد كرومويل من دون أن يزدري توماس مور.
وتوماس مور يبدو عند مانتل وضيعاً على الصعيد العضوي وعبثياً على المستوى الذهني، وهي تصوره مولعاً بالتعذيب ولا يتردد في إحراق من يشتبه بأنهم من الهراطقة. ومن المؤكد أن هذه الصورة ستصدم الكثير من القراء.
أياً كان الأمر، فإنه في يد كاتب أقل اقتداراً من مانتل كان يمكن لتعاطفات كرومويل الحديثة ـ الإيمان بالتربية في مواجهة الطبيعة وبالمحبة في مواجهة الإحراق وبالتعليم في مواجهة العرف المتوارث ـ أن تقدم لوحة أقل تدفقاً وأكثر امتلاءً بعناصر الفوضى.
ونلاحظ في دار كرومويل أن أياً من الأطفال أو الخدم لا يتعرض للجلد بالسياط، وهو يعاني من خسائر لا يستهان بها لكنها لا تزيده إلا صلابة، فزوجته الرقيقة المحبة لدارها تموت مبكرة وتلحق بها ابنته بعد وقت ليس بالطويل، وهذه الخسائر تضفي عليه طابعاً إنسانياً.
لكن الشيطان، كما يقال، يكمن في اللغة، ومانتل تحرك القصة المألوفة لكل دارسي التاريخ بخيال محلق.
ودعنا نتأمل مثالاً دالاً في هذا الصدد، حيث يتم استدعاء كرومويل لمقابلة الملك في مخدعه بعد معاناته من كابوس مفزع، فيجده مغطى برداء من المخمل مكسو الأطراف بفراء السمور، ونقرأ: «يزحف السمور على يديه، كما لو أن الملك الهولة قد نما له فراء خاص به». وفي موضع لاحق نجد أن أحجار الياقوت المكدسة على أصابع الملك «تشبه ياقوتات من دم».
ويبدو لنا واضحاً أن مانتل تعرف كيف تنسج صورة من الأجزاء المتاحة لها، والمثال البارز في هذا الصدد يتمثل في الكيفية التي تقدم لنا بها كاثرين، الزوجة التي يسعى هنري الثامن للتخلص منها، حيث نقرأ عنها أنها: «عرضها كطولها، مشبوكة في أردية تتألق بشدة بالجواهر، بحيث تبدو كما لو كانت قد صممت للصمود في وجه ضربات سيف أكثر مما صممت للأناقة.. وهي تحت ثيابها ترتدي ثوب راهبة من الراهبات الفرنسكانيات».
عندئذ يتذكر كرومويل الدرس الذي علمه إياه ولسي: أن يحاول دائماً اكتشاف ما يرتديه الناس تحت ثيابهم. وفي مرحلة سابقة من حياة كرومويل كان يمكن لما اكتشفه بخصوص كاثرين أن يدهشه، فقد كان يعتقد أن الناس تحت ثيابهم يكسوهم جلدهم.
ويلفت نظرنا أن عنوان الرواية لا علاقة له بالسرد على امتدادها، فقصر الذئب هو المقر الريفي لآل سيمور وجين سيمور في الرواية ليست إلا وصيفة آن بولين، ولكنها سرعان ما ستحل مكانها. والجملة الأخيرة في الرواية يكشف فيها هنري الثامن عن تخطيطه لزيارة قصر الذئب.
أيا كان الأمر، فإن هذه الرواية تظل عملاً روائياً تاريخياً فذاً، وليس من قبيل الصدفة أن تحظي بكل هذا الدوي والمتابعة والاهتمام.
الكتاب: قصر الذئب
تأليف: هيلاري مانتل
الناشر: هنري هولت لندن 2009
الصفحات: 560 صفحة
القطع: المتوسط
Wolf Hall
Hilary Mantel
Henry Holt, London, 2009
Henr

