يلخص كتاب «حول فراش الامير» حياة الفنّان محمد عبد الكريم الذي كان يطلق عليه بأنه أمير آلة البزق، منذ ولادته حتى رحيله، كانت الأسرة تمتهن الفن، فقد كانت أمّه صاحبة صوت جميل، وشقيقاه من أم أخرى «سليم ومحمد» يعزفان البزق والعود، ووالده يعزف البزق، حتى أن الصغير تأثر بهم، فأثبت مسمارين على قطعة خشب وشد وتراً وراح يعزف على آلته البدائية التي صنعها بنفسه.

كانت السنوات الخمس الأولى من حياته قد منحته حساسية زائدة وضنّت على أعضائه، فنشأ غير مكتمل النمو، وهذا الموضوع جعله طفلاً منزوياً يعيش بعيداً عن الصغار أمثاله كي لا يسخروا منه، وجعله يهتم بأصول العزف وفهم نغمات الموسيقا.

أرسل عبد الكريم إلى (الكتّاب) ثم إلى المدرسة، وبدت عبقريته تتجلى منذ صغره، فانضم إلى الفرقة وكان يغني أغاني أمّ كلثوم، فقد كان صوته قريب الشبه إلى صوتها.

بدأت استقلالية عبد الكريم في سن مبكرة، تلازمه آلة البزق، لم يكن يستسيغ العزف التقليدي، ولم يعجبه ما كان يقوم به، حتى وصل إلى التأليف الذي يخرج عن المألوف، فقد اعتمد في العزف على التأملات الوجدانية، فامتلأ موهبة وعبقرية.

ذهب مع والدته إلى دمشق، وفيها تعرّف على فخري البارودي، الذي أعجب بصوته فشجعه وبقي عنده فترة من الزمن، وبعد ذلك رحل إلى بيروت، وهناك التقى بموسيقي معروف اسمه «محيي الدين بعيون» وما كاد يسمعه على البزق حتى جنّ به وتبناه وعرفه على أهل الموسيقا والطرب، ثم التقى المسرحي المعروف، أمين عطا الله «كشكش بيه» الذي اصطحبه معه في جولة مسرحية شملت كثيراً من البلدان، كان عبد الكريم يعزف فيها على البزق بين الفصول.

في الرابع من أبريل عام 1934، زار عبد الكريم حلب، والتقى جمهورها الذي أعجب بفنه، وكتب مع «سلامة الأغواني» مونولوجاً بعنوان «لو كنت أعرف هيك الحب» حيث لاقى النجاح الذي يستحق. عرض عليه «كميل شمبير» الذي كان يلحن للمسرح الاستعراضي، السفر إلى مصر، فوافق على الفور، وسافر معهما الشاعر اللبناني «عمر الزعني» والمطرب الشعبي «داوود قره نوح» المعروف بـ «حسين» والمطربة «كوزال بلانش»، وسجل عبد الكريم عزفاً على البزق على اسطوانات شركة «أوديون»، كما سجل عدداً من الأغاني فيها «أفديه إن حفظ الهوى».

اقترح عليه أحدهم أن يغير اسمه «عبد الكريم المرعي» ليتناسب والنجاح الذي كان يلقاه، فاختار «محمد» إضافة إلى اسمه الأول، فصار اسمه «محمد عبد الكريم».

كانت رحلة محمد عبد الكريم إلى القاهرة منعطفاً هاماً في حياته، فقد صار يدعى إلى القصور والمسارح الكبرى ودار الأوبرا ليعزف أمام نخبة المجتمع.

سافر محمد عبد الكريم إلى القدس ليعمل في إذاعة القدس (محطة الشرق الأدنى، للإذاعة العربية)، كان ذلك في العام 1938، وعيّن فيها رئيس القسم الموسيقي، فجلب موسيقيين من مصر وسورية ولبنان، ثم عاد إلى دمشق، وقضى فيها آخر أيامه متنقلاً بين البيت والمستشفيات، إلى أن انتقلت روحه إلى الرفيق الأعلى، وكان يزوره في المستشفى المطربة «كروان، وعدنان قريش، ورفيق السبيعي، ونجيب السراج، وعادل أبو شنب، وغيرهم».

مع انقضاء ليل طويل ومؤلم، وفي صبيحة يوم الاثنين 30 يناير 1986 مات الأمير في مشفى الهلال الأحمر السوري بدمشق بعدما أعطى الفن والإنسانية قرابة السبعين عاماً من حياته أو يزيد، ودفن في مقبرة الدحداح في دمشق حيث مثواه الأخير، تغمد الله الفقيد بجناته.

كتب عنه الشاعر أحمد الجندي يقول: «كانت المرّة الأولى التي سمعت فيها سماعاً حميماً في مدينة حمص، وتزاملت معه في نادي دوحة الميماس، غاب عنا فذهب إلى دمشق وبيروت وغادرهما إلى القاهرة حيث تعرّف على كل العازفين والمطربين، ومن القاهرة ذهب محمد عبد الكريم يتجوّل في باريس ولندن وروما.

وقد طلبته الإذاعات العربية هناك ليسجل لهم بعض معزوفاته وتقاسيمه النادرة الموهوبة، ثم عاد إلى فلسطين ليستقر بين يافا والقدس، وعاد إلى دمشق ليسهر الليالي الطويلة في منزل فخري البارودي حيث كنا نجتمع إليه ومعنا عمر النقشبندي عازف العود الشهير ومحمد عقاد عازف العود المعروف، في آخر أيامه، ترك الإذاعة، فقد شاخ وكبر وراح ينتقل بين بيته الصغير والمقهى والمطعم إلى أن وافته المنية، رحم الله محمد عبد الكريم فقد كان نادرة في عصره وأسطورة في زمانه».

الكتاب: حول فراش الأمير

تأليف: علي حسني النجار

الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2009

الصفحات: 160 صفحة

القطع: المتوسط

فيصل خرتش