يحاول محمد العباس في كتابه «مدينة الحياة» تسليط الضوء على الطفرة الروائية الكمية التي انبثقت مطلع التسعينات من القرن الماضي، من خلال نبرات فردية هازئة برومانسية الوحدوي بما هو المعادل لشمولية الرسمي، بشقيه الديني والسياسي، وعلى إيقاع فني غايته تدمير لغة التعالي الرفيعة لصالح اليومي، أو تفكيك ما يسميه هربرت ماركوز (عقلانية النفي) التي تسم أدب الصالونات والمنابر الرسمية، وتبالغ في طمس صوت الناس، وتبديد أي فرصة لإحياء المرجعيات الشعبية.
ومن ذلك المنزع التجابهي استشرت الموضوعات المحرمة في الموجة الروائية السعودية الحديثة، حيث تموضع أغلب الروائيين في مواجهة التمثلات المتعددة للمؤسسة الدينية، بما هي الجهة المتحمسة لتعقيم المجتمع، وتعطيل سياقات المدينة بالإفراط في مظاهر الديننة، إذ لا تخفي رغبتها في التناطح، وإبداء ثباتها الراسخ على الجانب المضاد، أي داخل ما يسميه ميشيل فوكو(مبيان قوة) مؤسس على أفعال في أفعال(كالتحريض والإثارة والحث أو التسهيل والتوعير والتوسيع والتضييق).
ففي روايته«فسوق» يهندس عبده خال نصاً مأساوياً دالاً على معضلة وجودية، يتبينه كما يبدو على استقراء جمالية المتناقضات، حيث يخترق عنوان النص باسم بطلته التقويضي(حليلة) ليسرد حكاية امرأة موصومة بالعهر(هربت من قبرها). ومن خلال غموض سيرتها وتضارب الحكايا المتناقضة بشأنها، تنفضح المكامن اللامرئية للرذيلة، كما يموضعها عند بعض أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو من يسميهم بالشرطة الدينية الذين يحملهم مسؤولية تفريخ طابور لا يستهان به من الآبقين والبغايا والقتلة والأفاقين.
ثم يشير الناقد محمد العباس إلى أن الخطاب الروائي في السعودية يفتقر إلى الخيال، وإلى ملكة التفلسف، ولذا صار يميل إلى استنساخ الواقع بدل تحليله وتأويله مع رغبة معلنة لأداء دور تجابهي، أشبه ما يكون بمعادلة إنتاج الراية بصيرورة تشكل المجتمع المدني، وإحداث حالة من التناظر البنيوي بينهما، وذلك بادعاء القدرة على إنتاج خطاب تنويري بمقدوره تصحيح خطأ تاريخي جسيم.
حيث يتوقف هذا الخطاب عند المؤسسة الدينية بصيغتها الشمولية المركزية كحائط صدر«حاضر» على الدوام، ليختبر على حافته ممكنات تمرده وانجاز حداثته، من خلال الارتطام بتمثلاتها المتباينة شكلاً وموضوعاً، ولكنه يجبن أمام مفاعيل السلطة والسيطرة التي تتمرس وراءه.
يفتح محمد العباس ملف الرواية النسوية أو ما يسميه بانفجار الصمت النسوي فيشير إلى أسماء مثل رجاء عالم وروايتها(خاتم) ، وزينب فضي، ونورة الغامدي وروايتها (وجهة البوصلة) ، طيف الحلاج، ليلى الجهني وغيرهن. ويعتبر أن ما قمن فيه أوما طرحنه في أعمالهن هو دلالة من دلالات التمرد على فروض البطركية ، وهو ما يعني أن الذوات الروائية بقدر ما هي بحاجة إلى أن تؤكد على علو شأن القيم التحررية التي يسعين إليها، و تخصيب قاموس المطالب الأنثوية بالمطالب العادلة، لا يفترض أن تغفل عن حقيقة مفادها أن العقل الجمعي للمستنيرين والمستنيرات يفترض أن يشتبك مع الوعي الجمعي من خلال سجال يقارب القضايا الجوهرية، وليس باستعراض مظاهر شائهة من قبل ذات مترفعة تضع كل المتواليات الاجتماعية تحت طائلة النقد دون احتراز ، أو تتموضع بما يشبه القطيعة مع الآخر بكل تمثلاته.
وهو ما قد يحرف المهمة التنويرية عن أهدافها ويصيبها بعطالة، فالمجتمع المدني ليس مفهوماً خلاصياً مجرداً، أو افتراضاً ذهنياً، بقدر ما هو ضرورة تتحقق فيها(المجتمعية عبر الفردية) الأمر الذي يستوجب أن تحدث الرواية في السعودية تماسها بعملية تاريخية على درجة من التعقيد بعيداً عن رطانة الهوية والأصالة والخصوصية، وبدون الرهان على إنهاضه بروافع الشعارات السياسية والحقوقية الفارغة، وما يتبع ذلك من مزايدات العلمنة والحداثة والليبرالية، أو مناحات النسوية، التي تكتظ بها تلك المتوالية من الروايات المحقونة بالصراخ الحقوقي، والعناوين المطلبية، فيما يبدو انفصاماً أو عطالة ما بين وعي قائم وآخر ممكن، أو محلوم به بتحليل لوسيان غولدمان لمأزق الرواية الحديثة.
تلك هي بعض لافتات فكر الأنوار كما تستنبطها الرواية السعودية، ولو بعلمنة شكلية، وليبرالية صورية، إذ يلاحظ المراودات الدائبة لتخليص الفرد من هيمنة المقدس ، والتأكيد على حقه المعرفي والجمالي لتحريره من الوصايا الضاغطة، وما يشوب ذلك التحرر من انفصام الروائي وأبطاله على حافة التجاذبات الحادة ما بين أصلانية (المحلي) واغترابية (المعولم) وإصرار أغلب الروائيين على طرح مفهوم (الآخرية) بما هو جوهر وروح(الحوارية) التي يفترض تصديرها من الواقع إلى النص والعكس، أي التبشير بجدواها اجتماعياً بعد فلسفتها وتزيينها داخل النص كقيمة من قيم المجتمع المدني، على اعتبار أن كل كلمة في الرواية هي حوارية بطبعها حسب التصور الباختيني، فيما يعني الإقرار بمعنى التنوع والتعدد والتشظي، مقابل الإدانة الصريحة للواحدي، بما هو المعادل للنسق الشمولي القاهر، والمعطل لفعل التشظي والتنوع.
أنور محمد
الكتاب: مدينة الحياة
الكاتب: محمد العباس
الناشر : دار نينوى ـ دمشق 2009
الصفحات: 115 صفحة
القطع: المتوسط
