صدرت رواية «غريب» للتركي يعقوب قدري قره عثمان أوغلو حتى الآن في 15 طبعة كان أولها في عام 1932. وهي تبدأ بعثور «لجنة تدقيق المظالم» التي أوفدتها الحكومة التركية التي قامت على أنقاض الخلافة العثمانية على مخطوط نجد فيه مذكرات الراوي الشاهد على احتراق ودمار قرية تركية أناضولية بين سنابك الفقر وأعقاب بنادق اليونان الغزاة أبان الحرب العالمية الأولى أو بعدها بقليل.

الراوي احمد جلال، الشخصية المحورية في الرواية، ضابط مثقف ولد في أجمل قصور إسطنبول وهرب منها في الثلاثين من العمر لاجئاً إلى القرية مكان أحداث الرواية، ليعيش من ريع ارض اشتراها هناك، لكن ما أن يضع قدمه فيها حتى يلاحظ أن سكان القرية الحفاة والعراة يتحاشونه، يتوجس الأهالي منه خوفاً من أن يكون جابي ضرائب أو رئيس شعبة تجنيد يبحث عن الفارين، وتتوالى أخبار صعود نجم مصطفى كمال الثائر على الخلافة المنهارة، والذي يحاول الثأر لكرامة الوطن المهدد. يحاول الضابط الهارب الذي باع تركته في اسطنبول الاندماج بصعوبة في مجتمع القرية فيتودد إلى الأغا صالح وإمام الجامع والرقيب المتقاعد باكير لكنه يجد واقعاً مؤلماً في القرية المريضة يمثل الامبراطورية العثمانية (الرجل المريض) المنهارة رمزياً مقابل أوروبا الحسناء الصاعدة.

يظهر الراوي احتقاراً شديداً للقرية وناسها وفقرهم وأمراضهم وغبائهم، وقد سبب موجة نقدية قوية إبان صدور الرواية مما دفعه إلى إصدار الطبعة الثانية بمرافعة دفاعية عن الراوي يحمل فيها سبب تردي أحوال تركيا إلى تخلي النخبة التركية عن شعبها، ويدلل على ذلك بمقطع من الرواية يحمل الراوي فيها نفسه وطبقته خيانة الشعب والتعالي عليه. وربما كان نفور القرية منه متعدد الأسباب ويعكس البون المعرفي والاقتصادي بين الشعب والنخبة الحاكمة. وبعد جهود يتمكن الراوي من كسب ود ولد اسمه إسماعيل وامرأة اسمها زينب.

يقع الراوي في قصة حب قروية مع فتاة اسمها أمينة، يضحك الراوي لكلمة «حب» فهي ليست أكثر من رغبة جنسية كما يبوح لنفسه في مونولوج ثم يغالب كبرياءه ويشفّع الرقيب باكير كي يخطبها له لكنها ترفض ليس لأنه بذراع واحدة فخطيبها قزم أدرد ولكن لسبب آخر هو انه غريب، فالغربة الجغرافية الفئوية أكثر تشويهاً من أي عيب خلقي آخر.

كل شيء في الخلافة المنهارة متداع ومتآكل ونرى الشيخ يوسف الذي يفرّ من الضابط بعد كشف دجله وزوجة محمد علي التي تلد وحدها بلا قابلة بطريقة بدائية، وابنة باكير الصغيرة ذات ال12 عاماً التي يغتصبها ابن الأغا، كما نجد في القرية علاقة آثمة أخرى بين «سما» زوجة سليمان وبين عشيقها الذي يحوّل زوجها إلى خادم إلى إن تخدعه الزوجة الخائنة وتدفعه إلى طلاقها ثم تتزوج من عشيقها كمحلل (التيس المستعار) فيتحول إلى مجنون نحيل يجالس الأطفال ويجفل من كل شيء.

يقدم الراوي صورة للإمبراطورية العثمانية ممثلة رمزياً في القرية التركية الأناضولية في العشرينات (حب تملك قوي الأرض عند الفلاح، موظف الإعشار، أسراب الغربان تحط على جثة حيوان ميت في النهر، مشهد عودة الجواميس إلى القرية عند الغروب وصوت حوافرها الذي يشبه سقوط مطر غزير، تحضيرات الشتاء: تجفيف البصل، طحن القمح، لصق الجران بالجلة..، أعجب أعاجيب القرية المنكوبة رمزية دالة هو طفل محمد علي الذي سيق إلى الجيش بعد عرسه فهو طفل يكبر من غير اسم! حتى الأب في الجبهة الغربية يرسل تحيات إلى ابنه الذي لا يعرف اسمه: تحياتي إلى «مخدومي».

ليس من شخصية إيجابية في القرية، الشخصيات سلبية، نكرات، في ريف مهمل، انها رواية تذكر برواية ماركيز «ساعة نحس» لكن ليس لها علاقة إلا من حيث العنوان بغريب البير كامو، فغريب كامو ينذر بحضارة سائلة لا تقيم وزناً للفطرة البشرية التي قوضها الجشع الاستعماري والقتل إلى أن بلغ درجة العدم والتبشير بإنسان ما بعد الحداثة، إما غريب يعقوب فهو يمثل غربة نخبة شائخة سببت انهيار إمبراطورية شامخة. وبمصادرة المحتل اليوناني لسلاح الضابط يتجرأ الناس عليه وتقل هيبته وتذهب محاولاته في محاولة استعطاف العدو والتوسط بينه وبين أهل القرية سدى.

يوظف الكاتب المشاهد والتعبيرات برمزية موحية مدللاً على أفول الدولة (الجامع معطل ويستعمل للأعياد والموالد، عجز الضابط المثقف الأقطع (بذراع وحيدة لا تصفق)، عدم إخلاصه في اندماج بالناس فهو يعمر بيتاً ظهره إلى القرية في أعلى تلة فيها...).

يفقد الراوي الولد إسماعيل بعد زواج الأخير من أمينة فيتعرف إلى الراعي حسن وهو ولد أيضاً، (يشير إلى اغتراب جيلي أيضاً) فيقضي أوقاته على المروج مع ناي الأغنام إلى أن تحتل اليونان القرية فتقوم فرق الجيش بحرق الجامع وسبي النساء ونهب القطيع وقتل الطفل حسن وجمع أهل القرية في الساحة. والمشهد الأخير يسرد ويصف إطلاق النيران على أهل القرية الهاربين فيما يحاول الراوي إنقاذ أمينة من طلقة أصابت «ردفها»؟؟ يترك الراوي مخطوطه روايته معها ويتجه نحو البعيد تاركاً إياها تنزف وحدها في الغابة.

المؤلف في سطور

ولد الروائي التركي يعقوب قدري قره عثمان أوغلو في في القاهرة عام 1889 وعاش متنقلاً بين الإسكندرية وأزمير واسطنبول خلال دراسته . عين سفيرا في عدة عواصم ( طهران،براغ، برن،لاهاي) . كما انتخب عضوا . كتب المسرحية (أربع مخطوطات) والقصة القصيرة (ثلاث مجموعات) والرواية (تسع روايات) والمقالة والمذكرات والشعر والسيرة وعمل رئيساً لتحرير صحيفة أولوس. وفي أواخر حياته عمل رئيساً لوكالة الأناضول للأنباء. توفي في اسطنبول عام 1974.

أحمد عمر