في ضوء الاهتمام العالمي الكبير برواية الكاتبة البريطانية هيلاري مانتل «قصر الذئب» الفائر بجائزة بوكر 2009، بادرت صحيفة «سكوتسمان» إلى إجراء هذه المقابلة معها، حيث ألقت الضوء على مجمل الظروف التي دفعتها للاهتمام بالتاريخ كمادة لرواياتها، سواء في ذلك أحداث الثورة الفرنسية أو عصر هنري الثامن، وكشفت النقاب عن أنها ستصدر جزءاً ثانياً لروايتها الجديدة في عام 2010 كما ستعود في كتاب تعكف على إنجازه إلى مرحلة الثورة الفرنسية .

نادرة هي الكتب التي يمكنها أن تشعل شرارة الحياة في الماضي الميت، لكن رواية «قصر الذئب» لهيلاري مانتل تفعل ما هو أكثر من ذلك، حيث تستحضر بقوة واقتدار عالماً بأسره يتقلب البلاط فيه في رداء من السرية وعلى نحو خطر حسب المزاج المتقلب للملك هنري الثامن، الذي لم يتردد الكثيرون في وصفه بالهولة التي تخبط خبطاً عشوائياً يستعصي على أي محاولة للتفسير.

لكن هيلاري مانتل تحرص في اللقاء معها على لفت الأنظار إلى الأهمية المحورية في الرواية لشخصية توماس كرومويل، ابن الحداد الذي ارتفع إلى مرتبة المستشار الأول للملك، والذي تختمر من حوله كل المكائد الماكيافيللية وتدبر التحالفات الملكية أو تفض على نحو مفاجئ، وكان على كرومويل أن يمضي بركب إنجلترا وسط كل هذه الزلازل والعواصف، وهكذا فإن حبكة الرواية تواصل استقطاب اهتمام القراء، وسرد مانتل لا يفصح أبداً عن نزعة استعراضية لكنه يمض واثق الخطوة دوماً.

ولا يملك القارئ إلا التساؤل طوال الوقت عن السر في أن مانتل تغوص عميقاً في الخيال على هذا النحو وما الذي يجعلها تتجاوز بكثير بقية القصص والروايات التي تناولت هذه المرحلة المعقدة من تاريخ إنجلترا.

ويلفت النظر أن أول رواية كتبتها مانتل كانت أيضاً رواية تاريخية بعنوان «مكان لقدر أكبر من الأمن» والتي تدور أحداثها حول الثورة الفرنسية، وأنجزتها خلال فترة قضتها في بوتسوانا.

وتقول مانتل في هذا الصدد: «لقد اعتقدت أن الثوار أكثر إثارة للاهتمام بكثير من الشخصيات الأخرى، فهم يؤثرون عاطفياً ويكسرون الفؤاد. إنهم أناس عاشوا في غموض تام يحيط بهم طوال السنوات الثماني والعشرين الأولى أو نحو ذلك من أعمارهم، غير أنهم يعيشون السنوات الخمس الأخيرة من أعمارهم، وغالباً ما يلقون حتفهم وهم في منتصف الثلاثين من أعمارهم تحت أضواء التاريخ. وقد أردت أن أعرف طبيعة لحظة التحول تلك».

وهي تتابع: «هناك نوع من الدافع نفسه بالنسبة لي، فيما يتعلق بتوماس كرومويل، فقد أردت أن أعرف كيف ارتفع رجل ينتمي إلى خلفيته الاجتماعية ليصل إلى السلطة وليحتفظ بمقاليدها. أي نوع من الرجال يتعين عليك أن تكون لتنهض معظم الصباحات على امتداد عشر سنوات وتواجه هنري الثامن؟».

وفي غمار تقمص الرجل الذي ينفذ إرادة هنري الثامن تواجه مانتل مجدداً المبالغة في تبسيط التاريخ. ولكن اللوحة التي ترسمها لكرومويل هي لوحة مراوغة، متوهجة بالحياة وديناميكية. وهي تقول: «ما عليك إلا أن تسجن كرومويل في سجن تحت الأرض في الصباح وعندما تعود إلى هناك في الليل فإنك ستجده جالساً على حشية وثيرة يتناول طعاماً مؤلفاً من ألسنة القُبرات وقد أصبح كل السجانين مدينين له بمبالغ من المال».

وعلى الرغم من أن رواية «مكان لقدر أكبر من الأمن» كانت أول كتاب ألفته مانتل، إلا أنها كانت الرواية الخامسة التي تنشرها. وقد خرج الروائي والناقد فيليب هنشر عن سرب المديح النقدي لهذه الرواية وكتب يقول عنها: «إنها من نوعية الكتب التي يقدمها المؤلفون عندما لا يكونون قد نضجوا بعد ووجدوا قصتهم الحقيقية».

هذا خطأ جلي! لماذا؟ لأن مانتل كتبت عن الثورة الفرنسية خلال الفترة التي أمضتها في بوتسوانا، ولو أنها كانت قد قدمت الرواية الأولى التي يفكر فيها هنشر، فمن المؤكد أنها كانت ستدور حول امرأة بيضاء مريضة تكتب تحت سماء أفريقية، ولكن مانتل، التي لم تدرس التاريخ ولكنها لم تكن تفتقر إلى الإرادة الحديدية، مضت قدماً للكتابة عن نوعية التاريخ التي يتعين عليك للوصول إليها أن تغمر نفسك في الماضي على امتداد سنوات، لأنها على نحو ما تقول مفتونة بالناس العاديين الذين يلتقطون روح عصرهم.

وهي تقول أيضاً إنها في بوتسوانا واتتها لأول مرة فكرة تأليف رواية عن توماس كرومويل.

وتتابع: «عندما تواتيك فكرة كتاب فإن ذلك لا يكون غالباً الوقت المناسب الذي ينبغي أن تعكف فيه على الكتابة. ولكنني انتظرت كل تلك السنوات إلى أن أتيحت لي الطاقة الذهنية الكافية والقدرة على الانطلاق قدماً في غمار كل عمليات البحث الطويلة وتحويل نتيجتها إلى كتاب. ولكن الآن، نعم، هناك ثقة فيما يتعلق بالطريقة التي كتبت بها لأنني أحس بأنني قد وصلت إلى موضوعي المناسب وأن هذا هو الوقت المناسب لتناوله».

وتتمتع مانتل بنطاق واسع في كتاباتها باعتبارها روائية بحيث انه من السهل نسيان أهمية القص التاريخي في مجمل أعمالها، ولكنك ما إن توجه إليها السؤال حول كتبها المقبلة حتى يبرز القص التاريخي إلى الصدارة، حيث توضح أن رواية «قصر الذئب» سيكون لها جزء ثان يحمل عنوان «المرأة والضوء» وسيصدر هذا الجزء الثاني في عام 2010، ولكنها في وقت قريب أيضاً قد تعود إلى أجواء الثورة الفرنسية بتأليف رواية عن دانتون، وقد كانت تعتزم على الدوام تأليف كتاب لا ينتمي إلى عالم القص حول الكتّاب الذين يهتمون بالماضي اهتماماً استحواذياً.

وحينما يمتد الحوار مع مانتل لا يمكن للمرء إلا أن يلاحظ مدى تهذيبها وقدرتها على استقطاب من تحدثه وبعدها في كل ما تقوله عن التظاهر والادعاء، ويوحي صوتها الذي لا تغيب عنه لكنة ديريبشابر بحروفها المتحركة الملحوظة بالتعب، ولكنه أيضاً يكشف عن قدر مدهش من الفصاحة والسلاسة في الحديث.

تقول مانتل: «لقد اعتمدت دائماً على كوني قادرة على خلق واقع داخلي بالغ القوة، وإبعاد نفسي عن الجميع إذا احتاج الأمر إلى القيام بذلك.

ومازلت أذكر أنني عندما كنت في الرابعة من عمري أنني ذهبت إلى المدرسة وتشاجرت مع طفلة اختيرت لإلقاء نشيد مدرسي، وقد قررت ألا أستمع إلى النشيد، ولدهشتي الشديدة فإنني لم أسمع كلمة واحدة منه، وبدا الأمر كما لو أن فاصلاً زجاجياً قد انسدل بيننا، ومضيت بذهني إلى مكان آخر».

وتتابع: «وفي بوتسوانا، عندما كنا نتأهب للمضي إلى الوطن في إجازة، عرفت أنه يتعين عليّ الانتهاء من الكتاب أولاً. وكنت أسير قدماً اعتماداً على قوة الإرادة، لأن إنجاز ذلك الكتاب كان أهم شيء في الدنيا بالنسبة لي. وقد حدثت نفسي قائلة: حسناً، لئن مت، فعلى الأقل سأكون قد حصلت على هذا الكتاب».

ومع توماس كرومويل فإنها لم تحكم قبضتها على الماضي تماماً فحسب، وإنما من دون أن تغير الواقع النابع من الحقيقة تخيلت بمزيد من الاقتدار الحياة الداخلية لمعظم اللاعبين الكبار في هذا الواقع. ومن النادر العثور على الأمرين وقد تم إنجازهما على نحو جيد للغاية في الوقت نفسه، ومن المؤكد أن التوصل إلى ذلك لم يكن بالأمر اليسير بأي حال.

وتقول مانتل أخيراً: «لقد كنت بحاجة إلى الكثير من الوقت الذي لا أتعرض فيه للمقاطعة في غمار محاولتي وضع الحقائق في ذهني وموازنة كل التفسيرات. وعملت في عطلات نهاية الأسبوع دوماً. وبحلول مساء يوم السبت من كل أسبوع كنت أجد نفسي في أعماق اليأس مع وجود هذه المادة الهائلة وعدم معرفتي ما الذي يتعين عليَّ أن أفعله بها.

منى مدكور