يُعتبر نيكولاي فيدورفيتش بوغودين (1900 ـ 1962) اكبر كاتب مسرحي رسمت مؤلفاته إلى حد كبير سبُل الكتابة المسرحية في المسرح السوفييتي السابق. فطري الكتابة، يأمل بحياة بسيطة. جاء بوغودين إلى ميدان الكتابة المسرحية من الصحافة، وقد حدثت في حياته نقطة تحول رئيسية حين زار موقع مصنع لإنشاء الجرارات. وحسب قوله إن ما شاهده هناك قد أثر به كثيراً وحوله إلى كاتب درامي بشكل نهائي.

كتب بوغودين مسرحية «الوتيرة» عام 1929، حيث انعكست لأول مرة في المسرح السوفييتي حماسة العمل وبطولة السنوات الخمس الأولى. كان موضوع بوغودين الرئيسي لجميع مسرحياته التي كتبها فيما بعد، هو الكفاح اليومي من أجل بناء الاشتراكية، وأوجه النجاح والفشل فيها، وأبطاله كانوا من الشعب.. البطولة أصبحت ظاهرة يومية. وصور الاشتراكية كقوة حيوية تتحقق كل يوم في آلاف من الأمور البسيطة. أعماله المسرحية كتب بوغودين بعد مسرحية الوتيرة مجموعة مسرحيات منها «الفأس» وقد عرضت لأول مرة على مسرح الثورة وانتقد فيها بوغودين الاتحاد السوفييتي لأنه كان ما يزال يعتمد على الغرب في العديد من الأشياء.و أكد على ضرورة إنتاج الحاجيات الشخصية واحترام الرغبات الفردية للإنسان السوفييتي.

و قد عرضت المسرحية بنفس هذا المحتوى، ولكن بوغودين كان مستاءً من العرض ووصفه بالعمل غير الناضج والفج والمليء بالصراخ والفوضى. وفي مسرحية «الثلج» عبر بوغودين عن الصعوبات والنجاحات التي حققها الاتحاد السوفييتي في المجالات العلمية. أما في مسرحية «صديقي» فحاول أن يصور روح العصر من خلال بناء مصنع كبير والصعوبات الهائلة المتعلقة بذلك.

وفي مسرحية «بعد حفلة راقصة» سلط الضوء على التنمية الزراعية والعمل الجماعي في الريف، وأعطى قيمة جديدة لشخصية الفلاح السوفييتي. في مسرحية «الأرستقراطيون» عبر الكاتب عن كيفية إعادة تأهيل المجرمين في معسكر للبناء. وصور بوغودين لأول مرة في تاريخ المسرح السوفييتي شخصية لينين، من خلال الثلاثية التي كتبها عام 1937 «الرجل ذو البندقية» التي أصبحت الجزء الأول من الثلاثية عن زعيم الثورة وقد عرضت في الذكرى العشرين لثورة أكتوبر على مسرح «فاختانجوف».

وعرض الجزء الثاني «ساعة الكرملين» والجزء الأخير «الخماسية الثالثة » على مسرح غوركي. لقد عرضت المسرحيات الثلاث بنجاح على مسارح الاتحاد السوفييتي وخارجها وقد نال بوغودين عام 1959 جائزة لينين عن ثلاثيته المسرحية.

كتب بوغودين مسرحيات ذات أغراض متنوعة، كالملهاة: «الجيوكاندا»، «العث»، «عندما تنكسر الحراب»، «الطالبة الصغيرة» وغيرها من المسرحيات الجادة «السنوات المنصرمة» سوناتا بيتراركا «وله مجموعة من المقالات عن فن المسرح» المسرح والحياة «عام 1953، كما وضع عدداً من السيناريوهات للسينما» المساجين»، «الرجل ذو البندقية»، «القوقازيون» الذي حصل على جائزة الدولة عام /1951/. وكذلك كتب سيناريو «النسق الأول» و«الزوابع المتعددة».

ولبوغودين عدة مسرحيات من فصل واحد نتحسّس فيها، كما في مسرحياته الطويلة، الاهتمام الحيّ بالواقع المعاصر، والفهم المتفائل للواقع. من بين هذه المسرحيات: » الحيطة عديمة الجدوى»، «شجرة الزيزفون»، «الشك»، «عندما أزهر البطم»، «علام تعزف الاوتار» وغيرها.

النافذة المهشمة 1962

هي آخر مسرحية لبوغودين. إنها ملهاة عن نقاء العلاقات الإنسانية والحب الحقيقي والنفاق المكشوف الذي يتهدّد دوماً كل شاب فتي. فلاجكين رجل في الستين متقاعد يسكن وحده يترصّد العاشقين فيروتشكا وغيرمان من خلال نافذته وهو يستعد أن يرمي على رأسيهما وعاءً من النفايات عند مرورهما من تحت نافذته وهما يتبادلان كلمات الحب والحديث عن المستقبل في حين فلاجكين يشتمهما ويصفهما بأبشع الصفات وفي نفس الوقت تظهر في شقته امرأة مجهولة وممثّل سكير ويدور بينهم حوار عبثي ثم يغيبان، ويعود فلاجكين لممارسة دوره في الترصد والتجسس على العاشقين.

وعندما يشعر غيرمان وفيروتشكا بما يخططه لهما من فعل سيئ. يقرر غيرمان ان يصعد على الكرسي الخشبي ويكسر النافذة المغلقة التي يقف خلفها فلاجكين. وهنا يتطوّر الفعل الدرامي فيبدأ بالصراخ وينادي الحراس فيستيقظ سكان الحارة على الأصوات إنها الرابعة صباحاً وهو وقت غير مناسب للشجار لذلك يخرج الناس إلى الشارع ليفهموا ما حدث، فتظهر شخصيات مثل زوج سابق والجارة شورا وامرأة أولى وامرأة ثانية. في البداية يستطيع فلاجكين ان يقنع اهل الحارة بأنه تعرّض لاعتداء من غيرمان الذي حطّم النافذة التي جعلت وجهه يسيل دماً وتابع اتهاماته بأنهما كانا يمارسان الفحش تحت نافذته.

فتطلب فيروتشكا من غيرمان أن يهرب (اذهب يا غيرمان.. اهرب يا روحي. أنا اعرفهم) ولكن «غيرمان» يصرّ على البقاء والمواجهة فيكشف للناس بأن فلاجكين كان سيرميهما بوعاء النفايات. وفجأة تظهر المرأة المجهولة في شقته مرة أخرى.. فيتغير الموقف من فلاجكين بعد أن تعاطفوا معه. فهو يتهم هذين العاشقين بالفحش في حين تظهر امرأة في شقته وأمام الناس.. وبعد قليل يظهر الممثل السكير وتتكشف شخصية فلاجكين أكثر وتصبح واضحة.

كذلك تظهر الخلافات والمشاكل والإساءات بين أهل الحارة وذلك من خلال حواراتهم مع بعضهم البعض. وهنا يتبيّن لنا أن بوغودين لا يريد أن يقدم مسرحية هزلية ضمن مفارقات كوميدية بل انه تجاوز ذلك كثيراً إذ انه يصوّر من خلال هذه البلدة الروسية الصغيرة وهذه الأحداث الصغيرة واقع روسيا والاتحاد السوفييتي كله. فالنافذة ترمز إلى الاتحاد السوفييتي السابق والرجل فلاجكين يمثّل السلطة التي تقف وراءه وتمارس سيطرتها واستبدادها ضد الناس وتتهم الناس البسطاء بأنهم سيئون رغم أنهم لا يفعلون شيئاً سوى الحديث عن الحب والمستقبل. في حين أن السلطة تمارس أشنع الأفعال ولا يحاسبها احد.

وغيرمان وفيروتشكا يمثلان جيل الشباب الواعي الذي يبحث عن الحرية والحياة الصادقة النقية بعيداً عن ممارسات القمع وعندما يحطّم غيرمان النافذة في وجه فلاجكين فإن الكاتب يرمز بأن الجيل الجديد سيقوم بالتغيير يوماً ما. ويصوّر الكاتب شخصية فلاجكين بأنه رجل ملحد وقاس له وجه عنيد وصارم وهو ضد الآخرين وكل ما يفعلونه. اما المرأة المجهولة فهي ترمز إلى مستقبل روسيا الغامض المجهول ومن خلال حوارهما تظهر الصراعات بينهما حول الحياة والدين والفن وموقفه من البشر وكأنها ستحتل مكانه بعد فترة من الزمن.

اما الممثل السكير فهو يرمز إلى جيل من الشباب العابث بالمستقبل، ومن خلال شخصيتيّ العاشقين غيرمان وفيروتشكا نفهم بأنهما يرمزان إلى التغيير في مستقبل روسيا والاتحاد السوفييتي. لاشكّ ان الكثير من الكتّاب السوفييت قد لجؤوا إلى الرمز ليقولوا الحقيقة ويصوروا الواقع. فبعضهم نجح والآخر أخفق. وقد كان بوغودين واحداً من الذين برعوا في تصوير الواقع وقول الحقيقة عبر الرموز الدفينة.

بوغودين في سطور

* ولد نيكولاي فيدورفيتش بوغودين في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1900 ضمن عائلة فلاحية في مقاطعة دونيتسكايا.

* تلقى تعليمه الابتدائي فقط ولم يكمل دراسته.

* في سن الـ 14 عاماً بدأ حياته المهنية وعلى مدى السنوات الست عمل في مهن مختلفة

* مثل: متجر للملابس، بيع الصحف، توزيع أشرطة وآلة كاتبة، معدات طب الأسنان..الخ

* بدأ الكتابة عام 1920.

*عمل مراسلاً دائماً لصحيفة «البرافدا» بين الأعوام 1922 ـ 1930.

*سافر كثيراً في البلاد وكتب عن منشآت الخطة الخمسية الأولى.

*حصل على جائزة لينين مرتين في حياته.

* توفي في موسكو في 19 أيلول / سبتمبر 1962.

د. وانيس باندك