عُرف فن الخزف في التاريخ من خلال المقتنيات، كالفخاريات وأسطح الطاولات والأرضيات، وتندرج بعض المنتجات الخزفية في إطار الفن الكلي. وتاريخ الخزف قديم جدا ومتواجد في أغلب الحضارات وكانت آثاره الدليل على وجودها، واشتهر في الماضي لدى الصينيين والإغريق والفرس واليابانيين والكوريين والدومينيكيين وفي حضارة المايا.
أبدع القدماء في فنون الخزف سواء على صعيد التكوين أو التقنيات التي تفردت بها كل حضارة. ويتطلب تنفيذ الأعمال الخزفية ثلاث أو أربع مراحل. تتمثل المرحلة الأولى برسم التكوين الذي يرغب الفنان في تنفيذه، لينتقل بعدها إلى مرحلة تحويل كتلة الطين إلى شرائح، لتترك بعدها كي تجف قليلا فتصبح أكثر صلابة، تبدأ عندها مرحلة النقش أو الحفر أو اللصق، أي تنفيذ الشكل الفني إما بالتفريغ أو الإضافة، يترك بعدها العمل ليجف تماما، ثم يُدخل إلى الفرن ليتم شويه بدرجة حرارة تقارب من الألف، ثم بعد أن يبرد تضاف الألوان المطلوبة ويدخل العمل إلى الفرن مجددا، لتتبعها مرحلة جديدة في حالة رغبة الفنان بإضافة اللون الذهبي الذي يجب أن يوضع في المرحلة الأخيرة.
للتعرف على تقنيات وآليات عمل هذا الفن التقت مسارات بالفنان العراقي سرمد الموسوي المقيم في الإمارات والذي حاز مؤخرا على الجائزة الأولى لأفضل عمل فني خزفي في إطار المسابقة التي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة خلال مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية، حيث جمع عمله بين جماليات التكوين المحكم والحروفية والألوان ودقة التنفيذ.
قال عن تجربته الفنية، كانت بدايتي مع دراستي للموسيقى حينما كنت في الحادية عشرة من عمري في ناد ثقافي في بغداد. بعد مضي عام ونصف كنت أمضي وقتي بعد ساعة الموسيقى في مشغل خزف النادي الذي يضم مختلف فروع الفن التشكيلي والتطبيقي. كنت أراقب الفنانين خلال عملهم، وما جذبني كطفل هو مرونة الطين، الذي بدأت ألعب به.
«بعد مضي أشهر تجرأت وسألت الفنانين عن بعض التقنيات، مثل كيف تقف الطينة وترتكز عموديا وغير ذلك. بدأت بعدها أشكل تكوينات من الطين بشكل شبه ناضج. وما شجعني على الاستمرار هو انتمائي لعائلة تعمل في الفن إذ كانت والدتي مديرة المركز إلى جانب مشاركة إخوتي في عدة مجالات في الفن. وحينما رتب المركز لمعرض فني للخزف شاهدت التحضير له من البداية وحتى عرض الأعمال أمام الجمهور.
وبعد مضي سنوات كنت ولا أزال في موضع المراقب، ثم دعاني الخزافون للمشاركة في معرض قادم، تحمست للفكرة وشعرت بالرهبة وقدمت أعمالا أشبه بالجداريات. وكانت عبارة عن نماذج من زخارف العمارة البغدادية القديمة». وأضاف، «بعد الثانوية تابعت دراستي للموسيقى إلى جانب تواجدي الدائم في قسم الخزف. في تلك المرحلة بدأت أتعلم رسم مخططات للعمل الذي أرغب في تنفيذه أسوة بما يقوم به الفنانون الكبار آنذاك أمثال أكرم ناجي وماهر السامرائي وسعد شاكر، الذين تتلمذوا على يد الفنان اليوناني فانتينوس الذي كان يدرس في معهد الفنون ومن ثم الأكاديمية».
وصف بعد ذلك المرحلة الجديدة من حياته بعد انتهائه من الدراسة قائلا، سافرت مع الأصدقاء إلى الأردن في رحلة خلال العطلة الصيفية قبل 18 عاما، ولم أعد بعدها إلى العراق. في الأردن توزع عملي بين الموسيقى وفن الخزف حيث شاركت في العديد من الأعمال الفنية الضخمة.
بعد مضي ثلاث سنوات ونصف سافرت إلى الإمارات في نهاية عام 1996. كانت بدايتي مع الموسيقى إذ لم تكن مراكز الخزف متوفرة حينها، ثم تعاونت مع مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية حيث نظمت عددا من دورات الخزف حيث توفرت لديهم المعدات وأهمها فن الخزف. وهكذا قدمنا معرض الخزف الأول في مركز برجمان بدبي عام 1970.
مع تأسيس معهد الفنون في الشارقة اقترحت على الإدارة تأسيس قسم لفن الخزف. وراسلنا عدة شركات في ألمانيا، ثم أشرفت على تنظيم دورة الخزف الأولى التي شاركت فيها مجموعة من النساء الموهوبات. وشاركت كل طالبة في المعرض الخزفي الأول للمعهد، بأربعة إلى خمسة أعمال. وفي عام 2000 أسست مشغلي الخاص، وعملت في تلفزيون «إم بي سي» في مونتاج صور الأخبار.
وقال عن مكانة الخزف في إطار ازدهار حركة الفن في دبي، «مشكلة الخزف تكمن في ندرة مشاغل الخزف وقلة الفنانين في هذا المجال، إلى جانب عدم توفر المواد محليا. كما أن العمل في فن الخزف يتطلب ما لا يقل عن عام من الممارسة والتجربة والاكتشاف للتمكن من تقنيات هذا الفن».
ولدى سؤاله عن مدى تقبل هذا الفن محليا قال، «لا تزال كلمة خزف مبهمة» لدى الغالبية، أما كلمة سيراميك المرادف لكلمة الخزف بالأجنبية فتعني لهم البلاط والحمامات. والتوعية بهذا الفن منوط بالمؤسسات التي تشرف على الحركة الفنية إلى جانب الغاليريات التي تتحاشى تقديم عروض له، بسبب صعوبة نقله وسهولة انكساره».
أما عن الصفات التي يتميز بها الخزاف فقال، «تكمن صعوبة فن الخزف بالدقة الشديدة والصبر لاكتساب الخبرة. فإنجاز أية قطعة يتطلب عدة مراحل ابتداء من مد عجينة الخزف للتخلص من أية فقاعة هواء التي يمكن أن تتسبب بتهشيمه في الفرن، إلى مراعاة جفاف الطينة المشغولة قبل دخولها الفرن، ومن ثم معيار درجات الحرارة المطلوبة، كذلك الأمر مع الألوان وانتهاء بموعد إخراجها من الفرن. أما براعة الخزاف فتتمثل في مدى رقة الأسطح ودرجات الألوان وتمازجها والأشكال التي يبتكرها من خلال التفريغ».
ولدى سؤاله عن تقنيات الخزف بين الماضي والحاضر قال، ساهمت التقنيات الحديثة في اختصار مراحل كثيرة للخزاف من ضمنها توفر الطينة الجاهزة المفرغة من الهواء وبأنواع وألوان عديدة إلى جانب الألوان العادية منها والزجاجية كذلك الأمر بالنسبة لنوعية الأفران وأحجامها.
وقال عن الصعوبات في انجاز القطع الخزفية، «تتمثل صعوبة تنفيذ الجداريات بضرورة تقسيمها إلى قطع صغيرة كي لا تتقوس في الفرن مع ارتفاع درجة الحرارة، أما التكوينات التي تزيد عن سطح واحد أو اثنين فيتطلب بناؤها زمنا أطول، فلا بد من تجفيف الأسطح منفصلة إلى حد ما بحيث تكون صلبة قليلا. أما تفريغها فيتطلب دراسة توازنها كي يبقى التصميم متماسكا ولا ينهار».
فيما يتعلق بنشاطاته الفنية ومشاريعه المستقبلية أوضح، شاركت عام 2006 بمعرض في ستوكهولم مع مجموعة من الفنانين العراقيين. وأثارت أعمالي الخزفية المرتبطة بالحروفيات دهشتهم بهذا النمط الفني غير المألوف لديهم، كما شاركت في معرض في إيطاليا وبريطانيا والأردن والمغرب وعدد من البلدان العربية.
«أعد حاليا لمعرض فردي للخزف سيقام في لندن قريبا، كما أشارك في الإعداد لمشروع فني عربي ضخم مرتبط بالخط العربي. أما فيما يتعلق بالجهات التي اقتنت أعمالي، فتتوزع بين الأردن والشارقة وأبوظبي».
في الختام قال لدى سؤاله إن كان فن الخزف قد طغى على نشاطه في الموسيقى، «لكل فن مكانته في داخلي. عملت في التلحين والموسيقى التصويرية لأكثر من 83 فيلما وثائقيا ودراميا إلى جانب المسرح مع حصولي على العديد من الجوائز محليا وفي الخارج».
الفنان في سطور
* مواليد بغداد 1972م.
* فنان تشكيلي في مجال الخزف والفخار.
* تخرج من كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد (1993-1994) - قسم الموسيقى - تخصص في آلة العود.
*عضو في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية
* عضو في مركز دبي العالمي للفنون
* عضو في لجنة التنظيم والتنسيق والإعداد في بينالي الشارقة الدولي للفنون 1999
* درس مادة الخزف في مراكز ثقافة الطفل في الشارقة، 1997
* أسس قسم الخزف في معهد الشارقة للفنون، 1997
* درس وعمل على إتمام الدورة التخصصية الأولى للخزف والفخار في مركز الشارقة للفنون 1998.
* فاز بالجائزة الثالثة في المعرض العام السابع عشر لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، 1998.
* فاز بعدة جوائز في فن الخزف.
رشا المالح

