يملك الشعب العربي من الأدب والفنون الشعبية قدرا وافرا من التنوع والثراء، وهو ما يعد جزءا من التراث الإنساني. وقد ظهر مصطلح «الفلكلور» في منتصف القرن التاسع عشر، حيث بدأت الدراسات المتخصصة بعيدا عن دراسة «الآثار».

يضم الفن الشعبي وأدبه ملامح الثقافة المادية والتقاليد المتناقلة شفاها وكتابة على مر الأجيال، وان اتسع المصطلح الآن وضم المناسبات الجماعية مثل «الموالد» والاحتفالات الدينية والاجتماعية، والرقصات والملابس، فضلا عن الحكايات والنوادر والأمثال.. وغيرها من العناصر التي شكلت عقلية الشعوب.يعد التراث الشفهي من الأغاني والأمثال والنوادر وغيرها، مدخلا حيا ومتجددا في الأدب الشعبي. فهو يمثل إبداعا تلقائيا للجماعة، ولا يعرف لها مؤلفا، ويتم تردديها في المناسبات، ولعل أهم ما تتميز به هو الصدق والتلقائية مع الرمز الشفيف في كثير من الأحيان. وقد يضاف اليها ويحذف منها من جيل إلى آخر، بل من منطقة إلى أخرى. وغالبا هي أغان جماعية، وأغراضها تتناسب مع واقع الحال.. سواء في العمل، أو في الأفراح أو الأعياد. كما تعد الآلات الشعبية على صلة مباشرة بطبيعة وخصائص الأغنية الشعبية.

وقد وجد «الطفل» الموقع المناسب من الاهتمام في فكر وعمل رجال الفكر والعقيدة إبان ذروة ونضج الحضارة العربية الإسلامية. وربما يعود ذلك إلى عدة عوامل.. مثل الشعور الإنساني للمجتمع والفرد الناضج بالبنوة والأمومة، وهو ما أشار إليهما القرآن والسنة في أكثر من موضع.. ثم اهتمام الشريعة الإسلامية وبوضوح بشؤون الطفل، وفي أحكام محددة، ومازالت مرجعا للعديد القوانين المدنية حتى الآن.. كما لقي الطفل اهتمام المؤسسة الدينية، منذ بداية الدعوة وحتى رسخت وانتشرت.

فالمعروف أن الدراسات الأكاديمية التي تتناول «الطفل» كمحور أساسي للدراسة في التراث الشعبي هي قليلة لذا كانت أهمية الإشارة إلى الدراسة التي أعدها د.لطفي سليم، الذي صنف الطفل في الأدب الشعبي (الحكايات والسير والملاحم) ، الذي يحرص الرواة على إحاطة الطفل/ البطل بشغف وتحفز إلى انتظار مولده. ويتبدى ذلك من خلال الأحلام، التنبؤات أو الأمنيات مع رصد النجوم والطالع والكتب القديمة.. وكلها تسعى لأن تكشف عن طبيعة البطل إن كان خيرا أو شريرا. وهو ما بدا في سيرة عنترة (مثلا) فيرى الملك كنعان مناما هائلا، فاستدعى المنجمين، وتبدأ الأحداث المثيرة.

أما في مرحلة ما بعد ميلاد البطل حيث يعلن البشير عن ولادة الطفل، فتقام الاحتفالات.. وتضاف الأوصاف العجيبة للبطل. وقد يصاحب مولده بعض المظاهر الكونية من أعاصير وأمطار ورعد وبرق وغيرها. ففي ليلة ميلاد عنترة طلت أمه زبيبة تعاني إلى وقت السحر، فلما ولد بأوصافه المعروفة بدت تلك السلوكيات التي أثارت الدهشة.. إذ زام كما تزوم السباع عندما منعته أمه من الرضاعة، وعندما بلغ السنتين بدأ يلعب بين الخيام.

أما الطفل في الأمثال الشعبية، يلزم الإشارة إلى أنه لم يتم الاتفاق إلى تعريف قاطع مانع للمثل الشعبي. يقول «آرثر تايلور»: «المثل أسلوب تعليمي بالطريقة التقليدية أوحى في أغلبها بعمل أو يصدر حكما.. وهو يتميز بالاختصار والتنغيم والمجازية في الأسلوب والواقعية في صورة بلاغية»، وهناك تعريفات أخرى، وقد لوحظ أن الأمثال تتشابه يمكن متابعة موضع الطفل في الأمثال الشعبية، ولوحظ أن الأمثال الشعبية تتناوله في عدة مواضع .

مكانة الطفل في الأسرة

في البدء يكون الطفل ملتصقا بالأم للرضاعة والعناية. لذا قالوا عمن فقد أمه من الأطفال: «اللي ما لوش أم حاله يغم» أي أن من فقد أمه وهو طفل يصبح في حالة سيئة مثيرة للحزن والغم. من الطريف أن الرأي العام إلى جانب الأم التي فقدت جمالها ورونقها بسبب رعاية الوليد و يقولون عنها: «ما تبان البضاعة إلا بعد الحمل والرضاعة» أي يدعون الزوج لأن ينتظر و يصبر على زوجته حتى تنتهي من مهمة الحمل والرضاعة وتعود إلى نضارتها! لتبدأ مرحلة تربية الوليد وقد تقسو الأم عليه وتضربه مثلا.. مع ذلك لا يخلو الموقف من العطف، لأن الهدف هو التربية ونشأة الصغير كي يصبح رجلا صالحا.. فيقول المثل: «أضرب ابني ينكفي في حجري» أو « ابن بطني يفهم رطني».

الطفل في الامثال

هناك الكثير من الأمثال التي تتناول موضوع علاقة الوليد البنت أو الولد ومكانته في الأسرة. ففي حالة البنت وتربيتها من خلال علاقتها بالأم، يقول المثل: «اللي يسعدها زمانها تجيب بناتها قبل صبيانها».. «لما قالوا بنية. قلت دي الحبيبة جاية».. كما ترعى علاقة الابن بالأب: «حلو القوام زي أبوه»، «الابن سر أبيه»، «أبو البنات مرزوق». ثم علاقة الطفل بالتربية من الأمور الهامة التي ترعاها الأمثال: «ابنك على ما تربيه»، «من أدب ولده صغيرا، سر به كبيرا»، «الأدب فضلوه عن العلم»، «الأدب أفضل من النسب».

هناك العديد من الجوانب عالجتها الأمثال مع الطفل منها: عنف الوالدين مع الطفل.. التدليل المفرط.. الإهمال في التربية.. الخلافات المستمرة بين الأبوين.. مرافقة الصغير لأصدقاء السوء.. موت العائل .الخ. لذا كانت هناك أمثال شعبية توجز مجمل ما يمكن أن يقال مثل: «اللي ما يربهوش أبوه وأمه، تربيه الأيام والليالي».

لم يهمل المثل موضوع التربية عموما، يقول: «ربي ابنك، وأحسن أدبه، ما يموت إلا إن فرغ أجله».. «اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين».

كذلك لم تغفل الأغنية الشعبية الطفل منذ مرحلة ولادته، وتتعدد بالذات تلك التي تغني للمواليد والأطفال. وهي مقسمة إلى عدد من الأقسام حسب المناسبة التي تغني فيها.

أهازيج التنويم

وهي تسمى بعدد من المسميات «الدب» بتشديد الدال وفتحها لأن الأم تدب على صدر طفلها برفق، وتربت عليه، وهو ما يعرف ـ«التهنين»، وهي على إيقاع واحد ولحن واحد. من تلك الأهازيج : « يا ولد يا زين

يا كحيل العين

عندنا بنتين

ياولد.. تتجوزشي»

وتتابع بحيث تلزم بمخاطبة الذكور من الأطفال، مع الحرص على تأكيد الجمال الذكوري. والطريف أن تكون نسبة تلك الأهازيج للأولاد أكثر منها للبنات، ويرجع ذلك إلى مفاهيم اجتماعية شائعة بأفضلية الولد عن البنت!

تتميز جملة أهازيج الأولاد بعدد من الملامح.. تكرار كلمة «الولد» في المقطوعة، وهو ربما تعبيرا عن الاعتزاز بكونه ولدا، تلقين القيم الاجتماعية مثل رعاية أبويه. كما توعد الأم طفلها بالكثير مثل بناء البيت بالفضة أو الذهب «لأبني لك بيتك بفضة وأسقفه لك بالدهب، كما يلاحظ التكرار في بعض الكلمات والصفات الحميدة التي ترجوها الأم في ولدها..

ليس فقط الكلمات بل ومعنى المقاطع أيضا. وهناك بعض الأهازيج التي تعبر فيها الأم عن خوفها من فقد ولدها.. إما بالغرق أو الحرق أو غيره: «...والقنطرة اتهدت، عيونها اتسدت، حوشوا ولدى يا ناس». وكثيرا ما يلاحظ المتابع ذكر اسم الطفل في الأغنية وان كثر اسم «محمد- محمود-..» الأسماء الغالبة هي للنبي (صلى الله عليه وسلم).

وهناك الأهازيج الحوارية التي تحرص فيها الأم على تلقين الولد الانتباه إلى تعاليم دينه، مثل الانتباه لأغاني «الشاعر» والشاعر هنا هو المداح الشعبي الذي يتغنى بأغاني المديح النبوي، لما فيها من قيم المعتقدات الإسلامية، تقول: «وان جاك الشاعر .. غديه وادي له م النقدية فلوس، ولا تنسى الأم في غنائها صفات الفارس، وأبو زيد الهلالي، ربما تتمنى له أن يكون الشجاع المخلص في مستقبله. وهكذا لا تنسى الأم أن يبلغ وليدها مبلغ الرجال، فيضع الشال الحرير على كتفه كما الأغنياء من القوم.. وغيرها من مظاهر الثراء والقوة.

وما بين المهد والرجولة يكون الغناء بوسائل تحقيق الفخار والقوة.. مثل التعليم، فتراه يخرج من «الكتاب» بضم الكاف وهو مكان تعليم الصغار القران والعلوم البسيطة الأولى في القرى، ربما لشيوعها في الفترات القديمة وقبل انتشار المدارس الحالية.

أما أهازيج البنات، وان بدت وكأنها محاورات للدفاع عن قيمة البنت وفضلها، وكذلك مقارنات بين الولد والبنت!

«ما تفرحيش يا أم الولد

بنتي كبرت تاخده

وتسكنه بحري البلد

تحرم عليكي حاجته!»

وتتابع الكلمات حول معنى صراع بين سيدتين أحدهن لها الولد والأخرى لها البنت!

يلاحظ المتابع أن تلك الأهازيج أطول من تلك التي تتغنى للولد، مع وجود عنصر الصراع والحوار على العكس من الكثير التي تتغنى بالولد.وقد تتغنى الأم لابنتها وقد بلغت مبلغ السيدات أو النساء، وتوصيتها لها بأن تتحلى بقيم القرية والمجتمع والاستقامة.. وأن تكون جميلة وفاتنة حتى تلفت انتباه الفوارس من الرجال.

تقول فيما تقول:

«يا بنيه يا حد السيف

يا فتنة للخيالة

جابوا عشاكي على جملين

واحتارت فيه الشيالة»

أما وقد بلغت البنت مبلغ الكبار وأصبحت زوجة. فتغنى الأم توصيها بكرامتها ورعاية زوجها وبيتها، وغيرها من الوصايا التي هي في الأصل قيم المجتمع المرجو.. وحتى يؤكد على قيمة وأهمية البنت، تغنى بعض الأهازيج بالمعنى العكسي إذا ما أنجبت ولدا: «لما قالوا ده ولد.. قلت دي ليلة غضب.. تاخذه مني الطلب...»، وتعد أهازيج الطفل في النهاية صورة لقيم المجتمع وآرائه، والمرجو منه مستقبلا أيضا.

عموما فالحكم على تلك المعتقدات يلزم معه دراسة أحوال المرأة، ليس فقط في إطار الأمثال والأغاني والسلوكيات ولكن في إطار الدينامكية الاجتماعية، والحراك الاجتماعي المتصل بالتعليم وانتشار وسائل التثقيف وأن الإعلام حاليا يلعب دوراً هاماً.

السيد نجم