«الرسوم الشعبيّة» جنس من أجناس الفنون الشعبيّة التي يمارسها فنانون تفرغوا لهذه المهنة أو فنانون هواة، أو حرفيون يزينون بها منتوجاتهم من الحِرف والصناعات اليدويّة المختلفة المواد والاستخدامات.
الرسوم الشعبيّة موجودة لدى كافة الشعوب والأمم. قد تختلف في الشكل والصياغة والأسلوب والرموز والدلالات، لكنها تتوحد في المقومات والسمات والخصائص والملامح العامة. فهي عفوية، صادقة، تختزل فكراً راسخاً، وتعكس أنماطاً أصيلة من المعتقدات والعادات والتقاليد. أما وسائل تعبيرها وموادها وتقاناتها، فترتبط بالبيئة التي جاءت منها، وبالوظيفة التي أنيطت بها، سواء كانت تعبيريّة خالصة، أو تزيينيّة صرفة، أو موضوعة لخدمة معتقدات وأساطير وحكايات تم تناقلها جيلاً بعد جيل.
أساليب واتجاهات
يرى البعض أن ثمة تناقضاً واضحاً بين سعي الرسامين الشعبيين إلى نوع من الصيغة الواقعيّة التسجيليّة، وذلك في رسومهم، وبنفس الوقت، إلى نوع من التبسيط والرمزيّة والابتعاد عن الواقعيّة بمفهومها الشائع.
والحقيقة إن لمثل هذا التناقض في الرسوم الشعبيّة أكثر من سبب ذاتي وموضوعي: ذاتي يتعلق بشخصية الفنان الشعبي وبالمصادر التي يتكئ عليها في الأساس. وموضوعي يتعلق بالمحيط أو البيئة التي يتواجد فيها، وما يسودها من معتقدات وعادات وتقاليد، بعضها يرتبط بالدين، وبعضها الآخر، يضرب بجذوره في التاريخ البعيد، حيث يتداخل الواقع بالأسطورة، والحقيقة بالخيال.
فنان بالوراثة
فالرسام الشعبي، وفي جانب كبير من شخصيته الفنيّة، حرفي توارث هذه المهنة أب عن جد. على هذا الأساس، فإن معلميته وخبرته والمواد المتوفرة بين يديه، عوامل تحدد الأسلوبيّة التي يعمل عليها. فإذا كان الواقع حوله ثر وغني بالعناصر والموتيفات، انعكس ذلك في رسومه التي لا بد أن تأتي مليئة بالتفاصيل.
وإذا كان المحيط حوله، بسيطاً ومختزلاً وحافلاً بالرموز، انعكس ذلك في رسومه، يضاف إلى ذلك طبيعة الموضوع المتناول الذي قد يفرض على الرسام الشعبي صيغة المعالجة وأسلوبها، كذلك نوعية الموهبة التي يتمتع بها هذا الرسام، ومدى الاستعداد الذي يملكه، للإضافة والتطوير والخروج عما ألفه أو تعلمه أو تعود عليه، ذلك لأن الموهبة، تلح على صاحبها بضرورة إظهار البراعة والابتكار والتجديد في اللغة الفنيّة التي يتعامل معها، وهذا ما يُفسر تنقل بعض الرسامين الشعبيين من اتجاه إلى آخر، ووجود أكثر من انعطافة في تجاربهم الفنيّة، وإدخالهم موضوعات جديدة على أعمالهم أيضاً.
الرسوم الشعبيّة والفن الإسلامي
يتساءل البعض فيما إذا كانت الرسوم الشعبيّة هي تشويهاً للتصوير الإسلامي، أو صورة بدائية عنه. أو إحدى السواقي المتفرعة عن نهره، فما صحة ذلك؟.
قبل كل شيء، لا بد من التأكيد أن الفن الشعبي العربي، يتصل، بهذا الشكل أو ذاك، بالتصوير الإسلامي، والعكس صحيح أيضاً، لا سيما فن المنمنمات الذي ساد وانتشر وعُرف كفن من فنون الكتاب، حيث رافق نصوص أدبيّة وعلميّة عربية وإسلاميّة عديدة، لعل أهمها وأشهرها كتاب (مقامات الحريري) الذي وضع رسومه شيخ المصورين العرب (الواسطي). لكن الرسوم الشعبيّة لم تأت تشويهاً للمنمنمات، ولا تقليداً لها، كونها كانت أسبق في الظهور من ظهور الإسلام، لكن (الرسوم الشعبيّة العربيّة) تأكدت وتبلورت وانتشرت في مرحلة متأخرة من ظهوره، لأسباب وعوامل عدة، ولهذا قد تكون استفادت من بعض تقانات التصوير الإسلامي، لكنها لم تقلده بشكل حرفي، ولا جاءت صديً مُشوهاً له.
تقانات الرسوم الشعبيّة
استخدم عدد من الرسامين الشعبيين (ومنهم الرسام الدمشقي المعروف أبو صبحي التيناوي وأولاده وأحفاده من بعده) الزجاج مادة أساسيّة لتنفيذ أعمالهم عليها. فهل اختيارهم لهذه المادة ما يبرره من الناحيّة التقانيّة، أو من الناحيّة الفكريّة والدلاليّة؟.
في الحقيقة، لا يمكن الحسم في الإجابة على هذا التساؤل، دون دراسة معمقة ومتأنيّة وتفصيليّة، لواقعة استخدام هذه المادة ومبرراتها التي قد تشمل الناحيتين معاً. ما هو مؤكد، وجود أسباب عديدة وراء اختيار الرسام الشعبي لمادة الزجاج (على سبيل المثال) سطحاً لإنجاز رسومه عليه، منها عامل الوراثة، والعادة والتعود، والشعور بأنها تتجاوب معه، وتلائم الألوان التي يستخدمها، وجهوزيتها لأن تأخذ طريقها بشكل سريع ومباشر إلى الجدار بمجرد إنجازه لها. كما قد تكون لصلابتها وديمومتها علاقة بالأمر، وربما هناك أسباب أخرى كثيرة، تتصل بالمعتقدات والرموز والحياة اليوميّة، وربما لتوفر هذه المادة في بيئة الرسام.
بالمقابل، قد ينفذ الرسام الشعبي رسومه على الجلود، أو الأوراق المصنعة من مواد مختلفة، أو الكرتون، أو القماش، وقد يكون صدور الرجال العاشقين وأيديهم وظهورهم، فلطالما كانت الأجساد البشريّة (ولا تزال حتى الآن) ميداناً رحباً، للأوشام والرسوم والكتابات، والأحاجي، والتمائم، والحكم، وأسماء من يحب من الرجال والنساء.
قضية التراث
بات التراث الشغل الشاغل للمفكرين والأدباء والفنانين والحرفيين، كل يدعو لتمثله والاستفادة منه، وتوظيف معطياته وقيمه الأصيلة، في الثقافة المعاصرة، فهل يمكن الاستفادة من موروثنا الشعبي، وهو غني وأصيل وحي ومتفرد؟.
لقد أخذ موضوع التراث وضرورة ربطه بالمعاصرة، جدلاً واسعاً ومتشعباً، بين المفكرين والفنانين العرب، ولا زال هذا الأمر قائماً حتى تاريخه، بحيث يمكن القول بوجود إشكاليّة حقيقيّة هي: كيفية التوفيق والمواءمة، بين تراثنا المتعدد الأشكال والألوان، والقادم من مراحل زمنية متعددة، وبين عصرنا المحكوم بتطور تقاني متواصل ومدهش؟!!. والإشكاليّة هذه، تتفرع عنها إشكاليات أخرى كثيرة، منها تحديد معنى (التراث) و(نوعه) و(تاريخه) و(شكله) و(جنسه) وما الذي يجب أخذه منه... الخ.
بغض النظر عن حيثيات هذا الجدل، وتداعياته الكثيرة في حياتنا المعاصرة، يبقى التراث كائناً حياً لا يموت، ولا يشيخ، ولا يتجمد، بل يستمر متوهجاً وحياً في الإنسان وبيئته الشعبيّة: في أفكاره ومعتقداته وعاداته وتقاليده وعمارته وثقافته وفنونه وحرفه ومشغولاته التقليديّة عموماً.
والتراث الحقيقي، هو خلاصة لتاريخ طويل وبعيد. قد يتلون وتتعدد أشكاله، لكنه في الجوهر يبقى واحداً، من أجل هذا، فإن عملية الاستفادة منه، يجب أن تنطلق من هذه الحقائق.
فالمتحف بمفهومه الكلاسيكي، يقدم جانباً من التراث، لكن الحياة الشعبيّة القائمة في أرض الواقع، هي الحاضنة الحقيقيّة للتراث الحي، وللاستفادة منه، يجب التوجه إلى مفاصل هذه الحياة ومظاهرها وناسها، حيث يمكن للباحث (فناناً كان أم أديباً أم مفكراً) إيجاده بكامل عافيته وأصالته وسحره، مجسداً في لوحة، أو قطعة أثاث، أو حرفة تقليديّة، أو صناعة يدويّة، أو كتاب، أو رمز، أو عمارة، أو حكاية شفاهية، أو سلوك، أو عمارة آثريّة، أو في نمط حياة معين، أو في ثياب ... الخ.
كل هذه العناصر والمفردات والإشارات والمظاهر، التي تضمها الحياة الشعبيّة، ويكتنزها إنسانها في فكرة وسلوكه، تحتضن جانياَ هاماً وأساسياً، من التراث، وما علينا سوى تلمس الدرب إليه، واستنهاضه، بهذه اللغة التعبيريّة أو تلك، متماهياً بالآن الذي كوننا وتكوّنا فيه، وهذه بدهية لا تحتاج إلى مناقشة، ولا تقبل الجدل، وتتم بشكل عفوي وتلقائي، إذا ما أحسنا قراءة هذا التراث، وتمثلناه بشكل جيد.
د. محمود شاهين

