لا يزال صلاح الدين الأيوبي يضرب به المثل على القائد المسلم المثالي الذي يعمل على مواجهة أعدائه بحسم و محرر بيت المقدس، دون تفريط في الشهامة والأخلاق الرفيعة، حيث لا يزال يعتبر في الوعي العربي و الإسلامي محرر القدس واستلهمت شخصيته في الملاحم والأشعار و حتى مناهج التربية الوطنية في الدول العربية.
صلاح الدين مدفون في ضريح في المدرسة العزيزية قرب الجامع الأموي في دمشق إلى جوار الملك نور الدين زنكي، وكان فلهلم الثاني إمبراطور ألمانيا عندما زار دمشق توجه إلى مدفن صلاح الدين ووضع باقة زهور جنائزية على قبره عليها نقش معناه «ملك بلا خوف و لا ملامة علّم خصومه طريق الفروسية الحق»، كما أهدى نعشا رخاميا للضريح إلا أن جثمان صلاح الدين لم ينقل إليه و بقي في النعش الخشبي، بينما بقيت الهدية في الضريح خاويا إلى اليوم.تعلو الضريح تركيبة من خشب الجوز المزين بزخارف منحوتة نحتا جميلا ونقش في أعلاه آية الكرسي بالخط الكوفي المشجر والممتد على شكل زنار، تحيط به حديقة تشبه حدائق البيوت الدمشقية القديمة مليئة بالأشجار والزهور الذكية الرائحة،ولها باب حديدي يفتح و يغلق حسب أوقات الزيارة تجاور الضريح خمسة قبور اثنان:الأول للدكتور عبد الرحمن الشهبندر المناضل السوري الذي اغتيل بيد عملاء الاحتلال في السادس من يوليو،1940 والثاني لرئيس الوزراء العراقي ياسين الهاشمي الذي جاء بعد انقلاب الانجليز عليه إلى دمشق وتوفي فيها عام 1937و تولى رئاسة الوزارة العراقية مرتين.
أما القبور الثلاثة فهي لأوائل ثلاثة طيارين عثمانيين هم:صادق وفتحي ونوري الذين سقطت طائرتهم ألمانية الصنع (معاونة مليه- بالتركية أي نصيرة الدين) في طبريا بالقرب من فلسطين. أما قبل مدخل سوق الحميدية الدمشقي الأشهر،وأمام قلعة دمشق فيقف تمثال حجري لصلاح الدين الأيوبي شاهرا» سيفه وهو على صهوة حصانه.البارز حاليا أن دمشق التي تفتخر بأنها تحتضن جثمان هذا القائد الفذ منشغلة حاليا ووفاء منها لهذا الإنسان العظيم تقوم بترميم الحديقة المجاورة لضريح صلاح الدين الأيوبي، حيث يتم الآن تجديد ساحته و إعادة ترميم منزل يقع على الجانب الغربي منه شمال غرب الجامع، وهو من الأبنية الأولى التي استخدم فيها الحجر البازلتي الأسود عام 1945 سيساهم في تجميل ركن من أركان المدينة القديمة و سيضفي جمالية خاصة لمنطقة غاية في الأهمية تراثيا وحضاريا مؤلف من عشر غرف،وتحويله إلى نزل (فندق صغير) لاستقبال السياح مع الحفاظ على كل مكوناته وعناصره. يفترض وضعه العام المقبل في الخدمة.
وُلد صلاح الدين الأيوبي عام (532ه/7311م) وعمل مع أبيه في خدمة السلطان نور الدين الزنكي،وأصبح وزيرا على مصر ثم حاكما لها،وبعد وفاة نور الدين أقبل على دمشق وبدأ بإتمام الجهود التي بذلها سلفه فعمل على توحيد الجبهة الإسلامية وطهر البلاد من الغزاة الفرنجة. اشتهر بشجاعته وببسالته الحربية،وكان من أكرم وأنبل الفاتحين وأكثرهم رحمة وعفوا وتسامحا،رحيما بالأسرى من الأعداء،عامل غير المسلمين بمنتهى التسامح لدرجة أن أحبه الجميع المسلم، وغير المسلم.
ولأن شخصية صلاح الدين قومية وباقية في ضمائر الناس وقيمة كبيرة في المخيلة والذاكرة العربية والإسلامية فقد تم التعامل معها باحترام شديد، من حيث وضعها في إطارها التاريخي حيث الصراعات الداخلية والأبعاد المركبة. فالشخصية تصبح أكثر عظمة وحضورا إذا أرجعناها إلى الواقع. في الجانب الآخر قدمت لوحة «صلاح الدين» للفنان التشكيلي السوري المبدع «سعيد تحسين» التدقيق التاريخي لإظهار عظمة البطل وقوة شخصيته وما حققه من انتصار وما قدمه للأمة العربية من نموذج بطولي حي، وأبدع في اختيار اللحظة التي تقدم الجو الدرامي للحدث المتمثل في استسلام الصليبين له.
فاتنة صالح الكردي

