الشهقة ليست حصول خلل فقط في فعل التنفس الملازم لنا حياتياً، في الشهيق الذي يتوقف لبعض الوقت، يكون سبباً لمعرفة الجاري، إنما تكون فعلَ صدام طارئاً، صحبةَ تجلّي غرابة أو استغراب بحسب طبيعة الشهقة. إن بقاء الهواء عالقاً يثير اضطراباً، يحدث اختلالاً في التكيف القائم بين المرء ومحيطه الطبيعي أو الاجتماعي.

لعل كلاً منا يمتلك ذاكرة خصبة، شاعرية العلامة في سيرته الذاتية عندما كان طفلاً، وما هو مُحتفَظ به لدى الأهل عنه، حيث تتتالى الشهقات وتتنوع تبعاً للعالم الذي يعيش فيه الطفل ومن معه. إن كل شهقة طفلية هي إعلان عن قطع مسافة، عن إدراك جديد، وكل تنام فيها يفضي إلى نضج أعمق، إلى استعداد أكثر لها لاحقاً، وقد تباعدت أزمنتها، أو قلَّت، بما أن الطفولة هي القاعدة، فالشهقة علامة مرئية هنا في ارتباطها الحميم بالتربية!

يرتقي الهواء إلى مرتبة الشاهد على أمر جلل ما، بنسبة ما، لكأن وقوعاً مباغتاً من شاهق قد حدث، ولم يعد في وسع العضوية القابلة للوصف أن تمارس وظيفتها، بسبب هذا الطارئ والذي يتطلب استدراك حقيقته سريعاً. في نظام التفاعل مع المحيط حيوياً، لا يمكن حساب الشهقة كثيراً، ربما هي ثانية كمثل صدع مفاجئ، أو صاعق يخِلُّ بالتوازن ضمن دائرة العضوية بزمن محسوب، لكنها الثانية، ولأنها تخص الشهيق وقد اضطرب نظامه الحيوي العائد إلى كائنه، كافية للتوقف والسعي إلى الاستدراك والتوازن، وإلا فإن التالي لن يعِدَ بالمرغوب فيه.

إن جسمنا هو كتابنا المفتوح وبحسب طبيعته، ولكل منا كتاب يقرَأ من الخارج والداخل تبعاً لموقعه وطبيعته، لتكون الشهقة قراءة مباشرة يكفيها قليل من النظر حتى يُحاط بأمرها، والسؤال عن الطارئ المهدد!

الشهقة حالة دورية لا تتوقف عن المعاودة، لأن المستجدَّ قائم باستمرار، ولا ضمان لأيٍّ كان في أنه محصَّن ضد الشهقة هذه. لكل شهقة طبيعتها، سماتها، دلالتها، والمتعرض لها يتحدد باسمه وجانبه النفسي وثقافته.

الشهقة تتبع نظامها الفردي أو الإفرادي، حيث تنتفي فيها الصفة الجماعية إلا نادراً وفي الظروف الطبيعية!

ثمة شهقة مستطابة تضعنا في قلب المكتشَف، إزاء اللامتوقع، نطرب له من خلالها، إنها شهقة جمالية، قد تودي جرعتها بصاحبها، إذا بلغ عنصر المباغتة حداً، يطيل في عمر الشهقة، أي يكون سبباً لتوقف القلب النهائي.

لنسمّ إذاً: شهقة الفرح، شهقة الحزن، شهقة رؤية من نحب بعد غياب ونحن في شوق عارم إليه، شهقة الخوف المميتة أحياناً. إن الشهقة هي الدهشة العارضة، إذ تمارس تعرية ما لنفوسنا، تحديداً بليغاً لقواناً وسبراً لها، تعريفاً غير منتظر ومؤثر لإرادة كل منا، إخراجاً لنا مما نحرص على كتمانه، أو نتجاهله.

الشهقة خطاب بصري لافت للنظر، له نظامه الخاص يستحيل ضبطه، لأن الجاري يكون من خارج محيط المتعرض له، لأنه داخل في نظام حيوي وهو جزء منه، لتكون الدهشة إملاء لحالة لم تكن في الحسبان، وصكَّاً مصادقاً عليه، يخص النّسبي أو المحدود، وبالتالي: ضرورة الاعتراف بعجز لا يفَك سره، والاستسلام بقانون لا يطاع في الخارج، له في كل منا، قبل غيرنا من الكائنات الأخرى، يؤدي مهامه خارج منطق رغباتنا، إنها رغبات الطبيعة الحية فينا.

الشهقة مطلوبة! إنها في جوهرها فاعل صحي، إذا نسَّبناها إلى فعل إقدام فينا ومساءلة المجهول فينا وحولنا!

والشهقة الهوائية إشهار بتأكيد المختلف والمخالف كذلك، ولسان حال من لا يأخذ في عهدته ما يجب أخذ العلم به، أي لزوم أن يعلم أنه مأخوذ بما يتجاوزه قوة وعلماً وغيباً واختلاف أثر، ولعله الدرس الأثير، درس يخص الهواء الذي بدوره ينتمي إلى عائلة أشقائه من عناصر الطبيعة، وهو محكوم بنظام استمراره أو تغيّره طبيعياً.

ربما أمكن الحديث عن جمالية الشهقة رغم جانبها الإيلامي وصعوبة البت في المردود لحظة حصولها، ونحن نشير إلى وفرة مجالاتها ومناسباتها بحسب الشخص والذين يعيش في وسطهم، بما أن الجمال لا يًسمى إلا في ظل مجهول ما، لا يكون إلا في المختلف، فنتحرَّى تنوع مقاماته ووجوهه، حيث لكل شهقة تاريخها، أو واقعتها الخاصة، فهي تشدُّنا إلى الآخرين، إلى توقير الطبيعة ذاتها، لا بل إلى تعظيم العضوية التي تعنينا، ومضاعفة الوعي أكثر بما نغفل عنه، بما ينسّبنا إلى الأصل المفترَض طبيعياً لنا، والأصل الموحَّد لنا ناحية البعد الإنساني، وفي هذا المنحى يمكن التفاعل والتواصل معاً بأقل قدر من الشهقات غير المدركة، ولتكون الدهشة الوحيدة هي تلك التي تعمّق فينا شعورنا بما هو كوني وحيوي عام، دهشة الكائن وهو يشهق، فيما يكتشفه ويبدعه تاريخياً!

إبراهيم محمود