من الصعوبة أن يجد الشخص بيته غبياً، لأنه عندما يحدث فيضان أو حريق أو عطل في الكهرباء لا يخبرك المنزل أو الأجهزة الموجودة الإلكترونية بما يحدث على عكس المنازل الذكية التي تعمل كل أجهزتها عن بعد بل وتخبر صاحب البيت بما يحصل داخل جدران بيته! هذه هي نتائج الثورة الرقمية التي تجتاح عصرنا الحالي، فهل يمكن أن نتلاءم مع هذا المنزل «المفكر»؟

الثورة الرقمية ستدخل بيوتنا من أبوابها العريضة، وهي ستغير الكثير من عاداتنا وأنماط حياتنا، إنها «البيوت الذكية» التي ستجعل من البيوت الحالية أكثر ذكاءً بل ستخفف من عبء الساكنين وتسهل العيش في جنة تعمل بالأزرار عن بعد. وكل جهاز في البيت سيعمل من تلقاء نفسه أو من خلال برمجته مسبقاً، أو يعمل عن بعد. وستتمكن المرأة من غسل الصحون من خلال إعطاء أوامر إلى الماكينة التي تقوم بهذا العمل. على شواطئ بحيرة واشنطن، يعيش بيل غيتس في بيت يطلق عليه «البيت الذكي»، لأنه مجهز بشبكة أوتوماتيكية، من مفاتيح الإضاءة إلى أمن المنزل. كانت البيوت الذكية تكلف كثيراً وهي ما يفوق ميزانيات العائلات المتوسطة بكثير إلا أن تطور الثورة الرقمية والتكنولوجية جعلها في متناول هذه الطبقات التي كانت تحلم بها.

واليوم يتم بناء تكنولوجيا المنزل الذكي بجهاز كمبيوتر واستحداث شبكة إلكترونية تربط جميع الأجهزة المنزلية وتشغلها. وهذه البيوت ستغير الكثير من عادات الشعوب وطقوسها في المنزل بحيث يتم التخلي عنها نهائياً واستبدالها بأخرى تعتمد على مفاتيح الثورة الرقمية الحاصلة في حياة البشرية. والعالم الثالث هو المرشح الأكبر للاستفادة من هذه الثورة لسبب بسيط وهو أن المباني الذكية لا تزال محدودة في الغرب لأن المباني قديمة من حيث البنية التحتية والطراز مما يصعب إدخال الأجهزة المتطورة على عكس الأبنية الجديدة التي يمكن بناؤها مع البنية التحتية مباشرة ودون جهد كبير.

ويرجح انتشار المباني الذكية في العالم الثالث نظراً لأنه يعيش فترة نمو وبناء ومما يرشح فرص زيادة المباني الذكية. وفي الوقت ذاته تشكل هذه الإضافة استثماراً عائده يقفز بقيمة العقار بين ال30 وال50 بالمئة. وهو الأمر الذي يجعل الأمر ذا أهمية متزايدة بالنسبة للمطورين العقاريين فثمن التقنية قليل وعائدها عال جداً وكلفة تأجير المبنى الذكي هي أكثر بـ 150 أو 200 في المئة للمبنى العادي. لكن ثورة المنازل الذكية في العالم الثالث لا تزال تواجه مشكلة إمكانات الاتصال لأنه بدون شبكة اتصالات حديثة لا يمكن إنجاز فكرة البيوت الذكية. ومن الحلول الممكنة لمشكلة الاتصال، أنظمة الاتصال اللاسلكية لكن في ظل التهديدات المتنامية للفيروسات وأوقات التعطل، يبدي مالكو المنازل خشيتهم وترددهم في تبني تلك الأنظمة اللاسلكية، حتى وإن كانت تمنح المستخدم خيارات أكثر.

ولا تعتبر فكرة المنازل الذكية بالجديدة، ففي العقدين الماضيين عشنا في محيط تتحكم به الشرائح الإلكترونية الرقمية التي تتحكم في التلفزيون والغسالات والبرادات الذكية والأجهزة المنزلية الأخرى التي تعمل بلمسة زر.

ولعل القفزات العملاقة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات في العقد الماضي جعلت المنازل الذكية حقيقة على أرض الواقع حيث من الممكن التحكم ببيئة المنزل من خلال جهاز الهاتف المتحرك. فعلى سبيل المثال، هناك من يرغب في تشغيل جهاز التكييف قبل نصف ساعة من الوصول إلى المنزل، أو سقاية نباتات حديقة المنزل عن بعد.

وللقيام بذلك كل ما على الساكن هو القيام به إرسال رسالة نصية قصيرة من الهاتف المتحرك للمنزل. وتعتمد الفكرة على وضع حواسب صغيرة جداً في كل أنحاء المنزل الذي يتم ربطها بشبكة واحدة يمكن التحكم بها عن بعد. بل وأكثر من ذلك، فإن المنزل الذكي بإمكانه في حالة حدوث بعض الكوارث مثل تسرب الماء من الغسالة أو عطل الكهرباء أو نشوب الحريق في المنزل، أن تقوم الأجهزة الذكية بإغلاق أنابيب المياه الرئيسية بشكل آلي وإخبارك بالفيضان أو العطل أو الحريق على الفور.

قرية ذكية في أبو ظبي

لم تكن البيوت الذكية سوى خرائط في حقائب المهندسين، فلايزال البعض منا يسخر من هذه البيوت ويعتبرها مجرد حبر على ورق وفي أحسن الأحوال أنها لا تعدو أن تكون مزودة بالحدائق الخضراء وهذا كل ما في الأمر، ولكن البيوت الذكية هي أبعد من ذلك.

مشروع بناء «قرية هيدرا» التي تقع على الطريق الرابط بين ابو ظبي ـ ودبي وتبعد عن مطار ابو ظبي 10 كم ـ هو الأول من نوعه لتطبيق مفهوم المنازل الذكية العصرية، ومعنى ذلك يتضمن أنها تتوفر على أنظمة أمنية وترفيهية متعددة، وبهذا تكون «هيدرا» أول قرية تطبق الأنظمة العصرية داخل منازلها.

مع ازدياد الوعي البيئي، سوف يستقطب هذا المشروع الجديد ـ والذي يعد الأكثر تقدما داخل دولة الإمارات من الناحية التكنولوجية ـ المستهلكين لتملك الوحدات العقارية لما تتمتع بها من مميزات وخدمات فريدة.

ويعد مشروع هذه القرية النموذجية ملائماً للبيئة وهو عبارة عن مجمع مغلق يشكّل مدينة صغيرة وذلك لتوفير الراحة، لكونها امتداداً طبيعياً لتطبيق هذه الفلسفة المصممة لتوفير التكنولوجيات الذكية ووسائل الراحة للملاك. وقد تم تطبيق هذه المفاهيم بتحسين الأراضي الخضراء وإعادة إحيائها والمحافظة على المياه بتحديد استخدامها في محاولة للحد من إسراف الطاقة المستهلكة.

وتتضمن القرية فللا وشققا فخمة، ومكاتب تجارية حديثة، محاطة بهالة خضراء ومساحات مفتوحة، إضافة إلى وجود طريق خدمات متكامل والذي يتضمن وجود مسجد ومستشفى وفندق خمس نجوم ومرافق بنية تحتية كاملة. وبهذا تكون قد شكلت مدينة صغيرة متكاملة، حيث يعيش على حد سواء رجال الأعمال والباحثون عن العيش برفاهية في أجواء استوفت جميع شروط الراحة.

وأتت هذه المبادرة للمحافظة على الطاقة من خلال بنائها بشكل معزول، واستخدام طرق توفير صرف الطاقة الكهربائية، وأنشأت أيضا نقاط إعادة التدوير حيث يستطيع المقيمون إعادة تدوير الورق وعلب الصفيح والبلاستيك والزجاج. كما وفرت برنامج لحفظ المياه لاستخدامها خلال تخزينها. كما ستوفر مناطق عدم التدخين، وتوفير مواصلات للمقيمين داخل هذه القرية وذلك للحد من فوضى المركبات.

ومن الأنظمة الأساسية المدمجة في القرية، أنظمة الاتصالات، أنظمة التبريد والتدفئة، الأنظمة الأمنية وأنظمة المراقبة، أما بالنسبة لأنظمة الترف والرفاهية، تتضمن وجود أنظمة مائية وذلك بتوفير برك سباحة، جاكوزي وأيضا توفير أنظمة التحكم بالإضاءة ودرجة الحرارة، أنظمة التحكم بالستائر، أجهزة الوقاية والأمان، الأنظمة السمعية والمرئية، ويمكن التحكم بكل هذه الأنظمة من خلال لوحات المفاتيح وشاشات اللمس.

المنازل الذكية في دبي

أصبح تعبير «المنزل الذكي» من أفضل عبارات التسويق «السحرية» التي تجتذب مزيدا من مشتري العقارات في دبي. وكانت دبي ممثلة بثاني اكبر مطور عقارات فيها، أي شركة «إعمار» التي بنت أطول ناطحة سحاب في العالم، قد وعدت قبل سنوات قليلة ببناء أول مدينة سكنية «ذكية» في العالم العربي. لكن بعد مرور نحو أربع أو خمس سنوات من الإعلان عن ذلك المفهوم أصبحت المنازل الذكية في دبي الآن حدثا عابرا وطبيعيا مع كثرة المطورين العقاريين الذين أصبحوا يقدمون هذه الخدمة المتطورة لأصحاب المنازل.

وتعتبر أبراج «دبي مارينا» ـ أول مدينة ذكية ـ في المنطقة. ووفقا لشركة «سيستماكس» التي قامت بتنفيذ البنية التحتية للشبكة الذكية، فقد كان ثمة إدراك لديها بالحاجة الملحة إلى بنية تحتية متينة يمكنها أن تصل كل مباني المشروع عبر منصة موحدة وعامة، وتدعم تطبيقات الخدمات المتطورة والمتكاملة كالتطبيقات البنكية المباشرة، وشراء مواد البقالة عبر الإنترنت، وخدمات الاستشارات الطبية المباشرة.

وتتيح هذه الشبكة لسكان دبي مارينا الدخول عن بعد إلى الكثير من الخدمات والأجهزة المؤتمتة، مثل الثلاجة ونظام التكييف المتوافقة مع الشبكة، من أي مكان توجد به وصلة إنترنت. كما سيستطيع السكان الاستفادة من التحسينات عالية التقنية في مجالات الصوت والبيانات والتلفزيون، إلى جانب بعض المزايا المستقبلية، مثل القدرة على اختيار الفيلم أو البرنامج الذي يودون مشاهدته من قاعدة بيانات شبكية يمكنهم الاتصال بها عبر قناة فضائية.

المعرفة والمنازل الذكية

يتساءل خبراء الثقافة: هل أن عالمنا العربي مؤهل بالفعل للتوجه نحو تصميم المنازل الذكية، رغم التحديات الكثيرة التي نواجهها، وبخاصة التحديات المعرفية؟ إذ تكشف حقائق تقارير التنمية البشرية في العالمين العربي والإسلامي عن تفشي الأمية والجهل في عالمنا، بالإضافة إلى الميزانيات الفقيرة المخصصة للتعليم وضعف برامج التعليم والمستويات المنخفضة للتعليم، ووضع الجامعات في العالم العربي والمعدل المحدود للإنفاق والاستثمارات في البحوث والتطوير في عالمنا العربي، هذا بالإضافة إلى الأمية التكنولوجية والعلمية في عالمنا العربي، وهل لدينا عدد كاف من الخبراء والاستشاريين الهندسيين القادرين على تنفيذ مشاريع المنازل الذكية؟

شاكر نوري