«الكتابة في أزمة» هذا ما يعلنه فرانسوا كلوزيه في كتابه «بدون خطأ إملائي» ويكفي للبرهان على هذا ملاحظة أن طلبة المدارس الإعدادية والثانوية والجامعات وحتى الكوادر من الأجيال الجديدة قلّ ما يصل أحدهم إلى كتابة ثلاثة أسطر متتالية دون ارتكاب «خطأ إملائي».
هذا في الوقت الذي سادت فيه بفرنسا قاعدة تؤكد على أن عدم احترام قواعد الكتابة الصحيحة لا يشكل «خطأ» فحسب، ولكن يشكل «خطئية». ولا يتردد المؤلف في القول أن الأخطاء الإملائية تشكل أحد «المحظورات» النادرة في فرنسا اليوم، وبالتالي ينبغي الاعتراف أنه من غير المقبول «اقترافها».ويرى المؤلف أن الكتابة الصحيحة «بدون خطأ إملائي» هي نوع من الطقوس الجمهورية. فاللغة الفرنسية شجّعت كثيرا على «تقوية لحمة الأمة» وقواعد كتابتها ساعدت كثيرا في انتقال «شعب أمّي» إلى «شعب يعرف كيف يكتب». كما أن الكتابة الصحيحة شكّلت معيار الانتقاء الاجتماعي والمدرسي منذ حوالي قرنين من الزمن.
ويروي فرانسوا كلوزيه «مغامرته» مع قواعد الكتابة التي عرف معها باستمرار «تعايشا صعبا»، لكنه اضطر على إخفائه مثل الملايين من الفرنسيين، كما يقول. «لقد كانت قدرا ينبغي العيش في ظله». ويشير إلى استفتاء جرى عام 1988 نشرته مجلة «المدرسة الحرة» وأظهر أن نسبة 90 بالمائة من معلمي المدارس يؤيدون عملية «تبسيط قواعد اللغة والكتابة».
الآراء التي صدرت حول ذلك الاستفتاء أشار الكثير منها على أن هؤلاء المعلمين «غير أكفّاء»، ولذلك يطالبون بتبسيط القواعد، هذا في الوقت الذي كانوا فيه لا يطالبون بزيادة دخلهم ولكن بما يرونه، ويؤيده المؤلف، مصلحة التلامذة والطلبة.
وإذا كان المؤلف يعتبر أن قواعد اللغة والكتابة تشكل أحد روائع الإرث الثقافي الفرنسي، فإنه يرى بالمحافظة الصارمة على أبسط التفاصيل التي تعود أصلا إلى مجموعة من الأخطاء التي جرى تثبيتها عبر الزمن نوعا من العبث الذي ينبغي التخلّص منه. ذلك أن اللفظ يتطوّر وهناك كلمات تظهر وأخرى تختفي أو تغيّر من معناها ودلالاتها، ومع ذلك يؤكد البعض على عدم إمكانية المساس بقواعد ينبغي أن يكون بعضها في متاحف التاريخ.
ويتعرّض المؤلف إلى مختلف محاولات «الإصلاح اللغوي» وما لاقته من معارضة. ويرى أن تلك المحاولات ومعارضاتها لم تكن بعيدة عن الانقسام السياسي بين معسكري اليمين واليسار في القرن التاسع عشر وبدايات القرن التاسع عشر حيث كان دعاة الإصلاح غالبا من أهل اليسار الذين اصطدموا بالقوى اليمينية وخصوم القوانين العلمانية وباختصار المعادين لأي تغيير، لغوي أو غير لغوي.
ولعله من المفيد تقديم بعض الأمثلة التي يذكرها فرانسوا كلوزيه عن تطور قواعد الكتابة. فمثلا يرى أن كلمة «نينوفار» ? الزهرة المعروفة- جاءت من السنسكريتية عبر اللغة العربية. وقد غيّرت الأكاديمية الفرنسية كتابتها عام 1935. ويذكر المؤلف أيضا أخطاءً لغوية وكتابية لأدباء فرنسيين كبار من أمثال غوستاف فلوبير، مؤلف «مدام بوفاري» ومارسيل بروست صاحب «البحث عن الزمن الضائع».
كما يذكر جملة كتبها كلود الليغر عندما كان وزيرا للتربية بفرنسا، عام 1998 بمناسبة المعرض الزراعي الفرنسي وفيها خطأ لغوي فاضح. أما الممثلة الفرنسية المعروفة ايمانويل بيارت فقد صرّحت لصحيفة ليبيراسيون عام 1996 قولها أنها تكتب رسائل للمخرجين لكنها لا تتجرأ على إرسالها «بسبب الأخطاء الإملائية». وكان جان بول سارتر قد جرى «تكسيره» إلى صف أدنى في الثانوية إثر «إملاء زاخرة بالأخطاء». ومن آخر الأخطاء المرصودة ذلك الذي اقترفه رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي في جملة كتبها بمناسبة احتفال للمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا يوم 13 فبراير 2008.
الكتاب : بدون خطأ إملائي
تأليف: فرانسوا كلوزيه
الناشر: ميل اي اونوي- باريس- 2009
الصفحات: 319 صفحة
القطع: المتوسط
Zéro faute
François Closets
Mille et une nuits - Paris - 2009
.p

