يعتبر كتاب «وداعا مع هذا كله في فرنسا» لمؤلفه مايكل ستينبرغر هو «بيان نقد» ولكن «لطيف» لعدد من النشاطات التي اعتبرت فرنسا أنها «سيدة» فيها. والأمر لا يتعلق بالتكنولوجيات المتقدمة ولا بطائرات الميراج ولا بقطاع المفاعلات النووية، ولكن بالأحرى في عالم المطبخ ووجبات الطعام .
ويأسف مايكل ستينبرغر أن نسبة 15 بالمائة فقط من المخابز في فرنسا تقوم بتحضير خبزة «الباغيت» الشهيرة حسب الأصول. فالخبز أصبح يتم تحضيره أيضا بطرق آلية صناعية بحيث لا تلعب الخبرة الإنسانية سوى دور ثانوي في ذلك. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه من الغرابة بمكان، في مثل هذا السياق، أن «لا يحب الفرنسيون مكدونالد ولا يحبون بدرجة كافية الرأسمالية».وفي نفس الفترة الزمنية يرى المؤلف أن بلاد مئات الأنواع من الجبن فقدت أكثر فأكثر من «حس التذوق الرفيع» لديها. وبدأت سلسلة طويلة من إغلاق متاجر بيع الجبن الصغيرة والتي حافظت على درجة من التقاليد، ذلك كي تتحول صناعته نحو رفوف المخازن الكبرى.إن فرنسا التي «فقدت تذوق الطعام»، كما يقول المؤلف، وتوجهت بدلا عن ذلك إلى وجبات الطعام السريع حيث تحقق سلسلة مطاعم مكدونالد أرباحا طائلة، تتوجه، برأيه، نحو منعطف خطير.
ويؤكد أنه إذا استمرّ التوجه الحالية إلى ما هو عليه فأن «نسبة من يعانون من زيادة الوزن ـ السمنة- في فرنسا ستعادل ما هو موجود في الولايات المتحدة الأميركية في أفق عام 2020»، أي بعد أكثر بقليل من عقد اعتبارا من اليوم.
وبعد أن يوجه مايكل ستينبرغر انتقاداته العنيفة لعدد من المطاعم الفرنسية الشهيرة في العالم، ويصف الأكل عند «باكوس» ـ المطعم الشهير ـ أنه «رهيب» والشاي عند «لادولاي» يكاد يثير «القرف». ويشير إلى أن النبيذ الذي تفتخر فيه فرنسا إنما هو «يخوض معركة من موقع التراجع». ويؤكد أن الأميركيين هم الذين يتمتعون بهذا الميدان بملكة «التجديد» بينما أن الفرنسيين «متزمتون أكثر فأكثر».
ولا يُبدي المؤلف موقفا أكثر تساهلا حيال «دليل ميشلان» الشهير الذي يطمح «معلّمي الكار» الفرنسيين إلى نيل «نجمة» فيه ،على أساس أن جودة الطعام تتم ترجمتها بمنح «نجوم» على شاكلة الفنادق. ويعتبرون أنفسهم في مرتبة استثنائية إذا نالوا «نجمتين» ومن صنف لا يرقى إليه سوى الندرة إذا كانوا بثلاث «نجوم»، ومع ذلك كله يصفه مؤلف هذا الكتاب أنه «مريع»، ثم أنه يفقد أكثر فأكثر من أهمية كون أن الفرنسيين يمضون أوقاتا أقل فأقل في المطبخ و«يخافون من التجديد».
ويتعرّض المؤلف في كتابه لمسألة انتحار برنار لوازو، معلم الطبخ الفرنسي الشهير، في شهر فبراير- شباط من عام 2003 الذي تلقى زيارة من قبل مؤسسة «دليل ميشلان» في خريف عام 2002 اعتبرها ك«إنذار» له بفقدان «نجمة». ويشير المؤلف إلى رسالة وجهتها دومينيك لوازو إلى الدليل تقول: «لقد فهمنا جيدا إنذاركم».
ويقوم المؤلف من موقع الصحفي بتحقيقات عديدة لدى «معلّمي» المطبخ الفرنسيين المشهورين أو لدى أكبر مالكي المنتجات الغذائية الشهيرة. وقد أسرّ له البعض بأشياء طريفة مثل قول زوجة مالك مطعم «تايفان» الشهير: «في فرنسا، لكل الرجال عشيقات، أما عشيقة زوجي ـ توفي قبل فترة- فهي المطعم. إنه يعود متأخرا إلى المنزل، لكنني أعرف على الأقل أين كان»، وينقل عن دانييل بولود، أحد أكثر معلّمي الطبخ الفرنسي شهرة في نيويورك قوله: «الفرنسيون يعانون مأزق وجودهم محصورين بين التقاليد والعولمة».
لا شك أن أقوال المؤلف عن فرنسا فيها بعض العنف، لكن هذا لم يمنعه من كتابة: «لقد رويت ما شاهدته في فرنسا، أحب هذه البلاد وأتمنى أن تكون دائما في المقدمة».
الكتاب: وداعا مع هذا كله «في فرنسا»
تأليف: مايكل ستينبرغر
الناشر: بلومسبوري- نيويورك - 2009
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Au revoir to all that
Michael Steinberger
Bloomsbury Publishing - New York - 2009
p.

