يحاول روجيه بول دروا من موقعه الفلسفي في كتابه «أبطال الحكمة» توضيح المفارقات «الغربية أحيانا» التي أحاطت بحياة الحكماء وبمسيرة حياتهم ربما قدموه من أفكار. وهو يؤكد في نفس السياق أن الحكماء قد وُجدوا ك«حلم» صاغه فلاسفة عديدون من أمثال مونتين وسبينوزا ونيتشه أكثر مما وُجدوا في الواقع. وبهذا المعنى يشكل الكتاب نوعا من الرحلة حول «صورة الحكيم».
ويركّز المؤلف على القول إن كلمة «حكيم» عرفت مغامرة مثيرة عبر التاريخ الإنساني. لقد كانت تدل في حقب قديمة على شخصيات عظيمة وعلى المسارات التي عرفتها وإلى درجة ما من الكمال. أما اليوم فقد يجرى النطق بها كل يوم تقريبا لكن بعيدا عن أي حماس، ذلك أن دلالتها اللامعة قد خبت، وأصبح القاموس الأكثر استخداما لها هو ذلك الذي يتوجه به الأهل لأطفالهم كي يطلبوا منهم أن يكونوا «عاقلين» و«حكماء» في سلوكيتهم. وما يعني في الواقع العلمي عدم الصراخ وعدم التحرّك كثيرا وعدم إزعاج الآخرين.
ومن أول الأمثلة التي يتعرض فيها روجيه بول دروا لأولئك الذين «نالوا الحكمة» واستطاعوا «قهر أنفسهم» هو «ديوجين» حكيم اثينا في حوالي سنوات 330 قبل الميلاد. الصورة التي يرسمها بهذا الحكيم هو أنه كان يعيش حياة في أقصى درجات الفقر والابتعاد عن مظاهر العيش الرغيد إذ كان «يحب البشر» مع شجبه ل«أشكال جبنهم وخنوعهم». نقرأ: «لقد كان ديوجين يكتفي بقول الحقيقة، وعندما يجوع كان يصرّح بذلك. وكان يتسوّل ما يسمح له بسد رمقه. نعم كان يتسول وهو ابن المصرفي الكبير».
ويعود دروا إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وإلى «وادي الغانج»، ليحكي عن مثال «بودا» في الحكمة من التأكيد أن «الحكيم يعرف كيف يصمت». ويسرد المؤلف قصة «الرجل المصاب بسهم في صدره» التي كان بودا يرويها لأحد طلبته. وفحوي هذه القصة أن رجلا مصابا بسهم في صدره رفض أن ينزعوا له ذلك السهم قبل أن يعرف الشجرة التي صنعوه منها ومن ريش أي الطيور هو السهم ومن هو الذي ألقاه واسمه وقريته وأهله وسبب فعلته».
أمام هذه الأسئلة كلها لم يكن أمام الجرّاح، حسب بودا، سوى أن يقول للرجل: »سوف تكون قد فارقت الحياة قبل الإجابة على جميع هذه الأسئلة. الشيء الوحيد المهم هو وضع حد لآلامك، وأنا هنا من أجل هذه الغاية وليس للإجابة على مثل هذه الأسئلة».
وما يرى فيه المؤلف من حكمة سرد بودا هذه الرواية لطالبه هو التأكيد على أن الثرثرة في الحديث يمكن أن تحرف الانتباه عما هو أساسي، فالمهم دائما هو تعوّد »الصمت» حيث لا يفيد الكلام، هذا إذا لم يكن يعقّد الأمور أكثر، وقد يكون الثمن غاليا جدا.
وبعد التعرض للعديد من الأمثلة يصل المؤلف إلى القول أن وجود »الحكماء» يتماشى بالنسبة لنا اليوم مع الماضي قبل كل شيء. وتبدو نجاحاتهم »من ضرب الخيال». ولم يعودوا ينتمون إلى الواقع، وبالتالي يتم »استهلاك مخيلة الحكمة» عبر النصائح وتحديد قواعد للعيش، لكن بعيدا عمّا كان يتطلبه الحكماء قديماً.
الكتاب: أبطال الحكمة
تأليف: روجيه بول دروا
الناشر: بلون- باريس- 2009
الصفحات: 232 صفحة
القطع: المتوسط
Les héros de la sagesse
Roger Pol Droit
Plon ? Paris - 2009
. p 232
