يحدد باتريك مانينغ في كتابه «الشتات الإفريقي» هدف السود في المراحل الأولى من تواجدهم فوق أراضي العالم الجديد «أميركا» بتحقيق أمر واحد هو «البقاء». لكن ذلك الهدف تطور لاحقا كي تبدأ مرحلة الكفاح من أجل «النجاح» وفي منظور تطوّر هو الآخر من «التحرر من العبودية» إلى «الحصول على المواطنة» ثم «المساواة الاجتماعية».
ويحدد باتريك مانينغ عدة مراحل تاريخية عرفها تواجد الشتات الإفريقي في العالم منذ عام على مدى القرون الأخيرة. وذلك على مستوى الروابط بين الأفارقة فيما بينهم على أساس أنهم يشكّلون «أمة شاملة». وعلى مستوى التطورات الاقتصادية، وتطور الثقافة الشعبية، ونوعية العلاقات داخل الأسرة الإفريقية.كذلك يحاول المؤلف الربط بين مسارات التاريخ في مختلف أنحاء العالم مع أنها تبدو معزولة عن بعضها البعض. هكذا يرى مثلا أن مسألة العبودية قد عرفت حركات المطالبة بإلغائها ملامحها، بدرجات متفاوتة، في أميركا الشمالية والجنوبية والهند وإفريقيا نفسها بواسطة عبيد قدامى كانوا قد حسّنوا مواقعهم في المشهد السياسي لبلدانهم. مع ذلك أدى اقتراب إلغاء العبودية في مطلع القرن العشرين إلى بروز أشكال جديدة من التمييز العنصري سدّت الطريق أمام صعود السود.
ويرفض باتريك مانينغ في تحليلاته تلك الآراء التي يؤكد أصحابها أن تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي التي استمرت ما بين عام 1500 وحتى أواسط القرن التاسع عشر كمجرد عامل لتأكيد نفوذ إفريقيا الغربية على منطقة الكاريبي، وليس أكثر من ذلك. وما يؤكده المؤلف هو أن العلاقة بين المنطقتين، وبين الشتات الإفريقي عامة، هي أكثر تعقيدا، ذلك أن المستوطنين الأفارقة عامة في الكاريبي «قسرا عن إرادتهم» تعاملوا مع سكان البلاد الأصليين ومع الأوروبيين، وقاموا بتطوير زراعات وصيغ ثقافية وحياتية جديدة.
ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات كيف أن مجرد رحيل أعداد كبيرة من الأفارقة الذي كان قد جرى تجميعهم في بعض المراكز الشاطئية، إلى العالم الجديد كي يكونوا «عبيدا» فيه قد أدّى، أي الرحيل، إلى تغيّر كبير في تشكيلة السكان وفي المجتمعات الإفريقية تبعا لتبدل العلاقات الديموغرافية والخلل الاقتصادي في بعض المناطق، ونفاذ اليد العاملة، الخ. كذلك أدى وصول أولئك «العبيد» إلى الأراضي الجديدة، في منطقة الكاريبي خاصة، إلى تغيّر كبير في تشكيلة السكان وفي المجتمعات الجديدة.
كذلك يتوقف باتريك مانينغ عند الآلية التي ظهرت فيها مفاهيم جديدة على خلفية تواجد الشتات الإفريقي في المناطق التي وصل إليها «العبيد» من الأفارقة. وعلى رأسها مفهوم «التفاوت العرقي» الذي انتشر في منطقة الكاريبي مثلا تبعا للتشكيل السكاني الجديد. لكن ذلك كله ساعد على قيام «روابط تاريخية» بين تلك المنطقة من العالم وبين القارة الإفريقية، لكنها روابط «تتسم بقدر كبير من التعقيد».
وفي المحصلة يقوم باتريك مانينغ عبر دراسته لـ «الشتات الإفريقي» وللتداخلات بينه وبين القارة الإفريقية السوداء بدراسة العديد من الأسئلة الأساسية مثل ماضي وحاضر ومستقبل العبودية والعنصرية وتوزّع السود ومسار تقدمهم ومستقبل الهوية السوداء ذاتها. أما المنظور الأكثر تفاؤلا الذي يراه فهو إمكانية قيام هوية سوداء «قوية» بمقدار ما يصبح اللون ليس أحد معايير التفاوت بين البشر. وبكل الحالات يمكن للمسارات الخاصة بتحديد هوية سوداء أن تقود إلى مرحلة جديدة في التاريخ الإنساني.
الكتاب : الشتات الإفريقي
تأليف: باتريك مانينغ
الناشر: جامعة كولومبيا - 2009
الصفحات: 424 صفحة
القطع: المتوسط
The african diaspora
Patrick Manning
Columbia University Press - 2009
. p 424

