تنتمي رواية «كتاب الأطفال» للروائية البريطانية أنطونيا سوزان بايات إلى عالم روايات الواقعية السيكولوجية، وهي تقدم لوحة بانورامية هائلة تضم في طياتها أحداث ربع القرن الممتد من عام 1895 إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.
وتنتقل من حيث المكان ما بين بريطانيا وأرجاء أوروبا في غمار رصد مقادير أربع عائلات تضم حشداً هائلاً من الشخصيات الواقعية مثل أوسكار وايلد وأوجست رودان وماري ستوسب جنباً إلى جنب مع شخصيات متخيلة من الكتاب، الفنانين، الفوضويين، رجال المال، مبدعي الفخار، محركي العرائس ورجال العصابات المنتمين إلى أواخر العصر الفيكتوري والعصر الإدواردي.
وبحسب إجماع الكثير من النقاد، فإن هذه الرواية هي أفضل عمل أنجزته بايات منذ نشر روايتها «الاستحواذ» في عام 1990 التي نالت جائزة بوكر وتحولت إلى فيلم هوليوودي شهير.
وبينما تستهل «الاستحواذ» في مكتبة لندن الحافلة بالكنوز الثقافية، فإن «كتاب الأطفال» تبدأ أحداثها في متحف جنوب كنجستون، الذي سيعرف لاحقاً باسم متحف فيكتوريا وألبرت، فيما يتجول ثلاثة فتية بين كنوز المتحف، وتحاول أمهم أوليف ويلوود، الكاتبة الجذابة والناجحة التي تعيش سنوات الثلاثينات من عمرها، أن تناقش مدير المتحف حول حكاية تعتزم تأليفها عن كنز قديم.
وتبدو لنا أوليف، التي استلهت جوانب من شخصيتها من الروائية الادواردية الشهيرة إن. نسبت، كاتبة لقصص الأطفال تهتم اهتماماً كبير بعائلتها.
وتمتد بنا الرواية إلى متابعة مصائر أربع عائلات من الكتّاب ومبدعي الفخار ومحركي العرائس وغيرهم من الفنانين، وكخلفية للأحداث تقدم لنا بايات موجزاً للتطورات السياسية والاجتماعية لهذه الفترة المهمة من تطور تاريخ أوروبا.
ولكن الرواية، على الرغم من كونها رواية أفكار في المقام الأول، لا تفتقر إلى الخواص التي تمنح العمل جاذبيته الجمالية وطاقته التخيلية، وفي مقدمتها حساسية المؤلفة حيال الفن والأعمال الفنية في هذه المرحلة.
والرواية في إطارها البانورامي الكلي هذا تبدو لنا عملاً ساحراً، يجمع بين الرحابة والحميمية في آن، وينتقل في امتداد من العصر الفيكتوري المتأخر إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، ويتركز على عواطف أوليف والأسرار التي تباعد بينها وبين من تحبهم والخيانات التي تتعرض لها.
وتنتقل بنا الرواية من إنجلترا إلى باريس وميونيخ وخنادق السوم في مسيرة مؤثرة للعائلات الأربع التي تتابع أقدارها في مواجهة عواصف هذه المرحلة التاريخية ومدها الهائل، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف أمام انجاز أدبي مدهش تحقق على يد كاتبة تحظى باهتمام كبير على مستوى العالم كله.
وقد حظيت الرواية باهتمام هائل من النقاد قلما عرفه كتاب في السنوات الأخيرة.
ويبادر الناقد بيتر كيمب إلى القول في مقال نشرته صحيفة «صنداي تايمز» عن هذه الرواية: «يمكن القول في يسر إن هذا هو العمل الأفضل الذي أصدرته مبدعة رواية (استحواذ) الفائزة بجائزة بوكر منذ عام 1990. وهي عمل يجمع بين الامتداد الهائل وإحكام القبضة على مادته».
وتقول كلير ألفري في مجلة «مترو» عن هذه الرواية إنها: «مغرية بالقراءة بصورة ملحة، وتحفل بالذكاء والنزعة الحسية».
ولا تتردد هيلني داغو في وصف الرواية في صحيفة «تايمز» بأنها «مذهلة»، على حين يقول جيف بيفري عنها في مقال بصحيفة «تورنتو ستار» إنها «رائعة. صورة مترامية الأبعاد ومتشابكة لثلاث عائلات إنجليزية منتمية إلى الطبقة الوسطى تبحر في المنعطف الأعمى الممتد من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين. وها هنا نجد بايات في أفضل حالاتها في غمار الرواية التاريخية».
وتقول صوفي جيف في صحيفة «فاينانشال تايمز» إن هذه الرواية «نوعية الإبداع الروائي الفكري الرفيع الذي يمكن أن نتوقعه من بايات. وهناك نوع شخصي هائل من الحزن في هذه الرواية، يصبح حزناً جماعياً وتاريخياً مع تقدم أحداث الرواية باتجاه عام 1914».
وفي مقال بصحيفة «غارديان» اللندنية يذهب اليكس كلارك إلى القول عن هذه الرواية إنها: «عمل متألق، تبدو أحداثه من خلال عينين صافيتين، ومشحون على نحو مثير، ويعد إبداعاً يستحضر بروح ساخرة الفترة الممتدة ما بين نهاية القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى».
ويقول بويد تونكين في ختام مقال مطول نشرته صحيفة «إندبندتت» اللندنية: «رواية تفيض بحياة متداخلة وبمؤثرات الذهن والحواس في آن».
ويذهب جون ساذرلاند في «إيفنينج ستاندرد» إلى القول: «هذه الرواية تتمتع بثراء مدهش يذكرنا برواية (عصر البراءة) لإديث وارتون».
ويقول إيان ماكجيليس في صحيفة «مونتريال جازيت» إن: «بايات تكتب عن الحرب العالمية الأولى بقوة تضاهي تلك التي كتب بها إريك ماريا ريمارك وفورد مادوكس فورد. وهذه الرواية شأن رواية (استحواذ) تحمل معها الإبداع المتمثل في كونها رواية أفكار مبهرة وعملاً مفعماً بالعاطفة يدفع القارئ دفعاً نحو صفحته الأخيرة، وإنجازاً تاريخياً يحمل نبضاً معاصراً. نحن أمام كاتبة من أفضل كتابنا وهي تتفوق على نفسها».
وبدوره يرى جورج والدن أن هذه الرواية: «عمل حافل بالغواية. وبايات تؤثر الاستنارة العاطفية والرقي الاجتماعي والتقدم السياسي في كل أشكاله».
ويقول ستيوارت كيلي على صفحات: «سكوتلاند أون صنداي» عن هذه الرواية إنها: «عمل فني بديع.. وبايات تستحضر من خلال شخصية أوليف ويلوود المتخيلة فترة بيتربان وإتش. جي. ويلز والغابيه ورواية (الريح في أشجار الحور)».
وبالروحية نفسها تقول كارولين مور على صفحة «سبكتاتور» إنها: «تجبر القراء على الانطلاق عبر صفحاتها، وهي عمل ثري على نحو فذ».
وترى إليزابيث لاوري في عرضها للكتاب على صفحات الملحق الأدبي لصحيفة «تايمز» اللندنية إنها: «عمل متألق وحافل بالأفكار والصور وشهادة بليغة على القوة الخطيرة لكل من الفن والأسطورة».
وبوسعنا أن نمضي طويلاً، وربما إلى ما لا نهاية، في تقديم الإشادات والتقدير برواية بايات. لكنه لابد لنا من التوقف حيال ما يمكننا اعتباره عيوباً حقيقية في هذه الرواية.
فشأن معظم روايات بايات نحن بإزاء رواية أفكار، وعلى الرغم من أن هذا ليس عيباً في ذاته إلا أنه في بعض المقاطع في هذه الرواية يحمل لنا قدراً لا يستهان به من؟.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المرء لا يمكن إلا أن يحس بأن محرري رواية بايات كان ينبغي عليهم التدخل لجعلها أقل في حجمها من الحجم الذي أطلت به على القراء والذي يقارب السبعمئة صفحة.
ومع ذلك فإننا نطل، في نهاية المطاف، أمام رواية مدهشة ومثيرة وجديرة بأكثر من قراءة واحدة.
الكتاب: كتاب الأطفال
المؤلف: انطونيا سوزان بايات
الناشر: نوف، نيويورك، 2009
الصفحات: 688 صفحة
القطع: المتوسط
The Children Book
A.S.Byatt
Knopf,N.Y.,2009
Knopf
