يناقش كتاب «الشاشة المرآة» لمؤلفه إبراهيم العريس عددا من القضايا الجادة في السينما العربية، تارة لمساءلتها، ومحاكمتها، وتارة ثانية لنقدها مدحا وذما، وهو في هذا وذاك يميل أكثر إلى طرح الأسئلة أكثر مما يقدم أجوبة حاسمة، نهائية. ولعل ها هنا تكمن مزية الكتاب الهادف إلى إثارة الجدل والسجال بدلا من الجزم وإغلاق باب الحوار .
يطرح العريس تساؤلات ويرد بان الاكتفاء بتعبير «السينما العربية» للحديث عن الإنتاج السينمائي العربي ككل لا يستند إلى منطق متماسك، فإذا كان الكثير من الأفلام المصرية يشكل جزءا من الذاكرة السينمائية للملايين من المتفرجين العرب، فإن «رياح الأوراس»، مثلا، للأخصر حامينا، و«إلى أين؟» لجورج نصر، و«أحلام المدينة» لمحمد ملص ليست كذلك!ومثلما أن كتابة تاريخ السينما العربية دونها عوائق كثيرة، فإن محاولة البحث عن فيلموغرافيا لبنانية، هي بدورها محفوفة بالالتباس والتشابك، انطلاقا من السؤال: ما هو الفيلم اللبناني؟ لكن تدوين هذه الفيلموغرافيا، في رأي المؤلف، صار ممكنا في السنوات أو العقود الأخيرة بعد ظهور أسماء مثل مارون بغدادي، وبرهان علوية، وجان شمعون، وجان كلود قدسي، واندريه جدعون، ورندة الشهال، وجوسلين صعب، وزياد الدويري وغيرهم ممن حققوا أفلاما تنتمي إلى خصوصية لبنان كدولة مكتملة الأركان.
وتحظى السينما المصرية بمساحة واسعة من الكتاب، لسبب منطقي وهو أن مصر رائدة في فن السينما على المستوى العربي، ولأن «القاهرة كانت من أوائل العواصم التي تحولت فيها الفيلم من الهواية إلى الاحتراف.
ومن الإنتاج اليدوي إلى الإنتاج الصناعي»، ويعيدنا العريس هنا إلى أفلام الأبيض والأسود، والى أفلام النجم الأوحد التي طغت لمدة مع عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وليلى مراد وأسمهان وشادية، وكذلك إلى نجوم من أمثال عماد حمدي وكمال الشناوي وأنور وجدي ومحمود ياسين وحسين فهمي. ويتتبع الناقد التطورات التي شهدتها السينما المصرية، ولعل التحول الأبرز تمثل في تغيير النظرة النمطية نحو النجم الوسيم والبطل الايجابي، وراحت السينما تبحث عن نماذج أخرى غير معتادة، نماذج تعتمد على تعابير الوجه، وعلى الأداء التمثيلي البارع، وعلى حركات الكاميرا أكثر مما تنهمك بملامح النجم. وهذا التحول شهدته السينما السورية، كذلك، وإن في وقت متأخر، إذ يرى العريس بان السينما السورية التي دأبت على محاكمة الماضي، صارت قادرة، في السنوات الأخيرة، على محاكمة الحاضر رغم قلة الإنتاج الذي لا يتجاوز الثلاثة أفلام سنويا في أفضل الأحوال، تماما كما هي الحال بالنسبة للسينما الفلسطينية التي لم تعد مرتهنة لمسلمات «القضية» و«مفردات النضال» بل صارت تتناول القضية من منظور سينمائي خاص بدأ مع «الذاكرة الخصبة» و«عرس الجليل» لميشيل خليفي، مرورا بأفلام رشيد مشهراوي، وهاني أبي اسعد، وصولا إلى «يد إلهية» لايليا سليمان، و«عطش» لتوفيق أبو وائل، فمع هؤلاء، وسواهم، حققت السينما الفلسطينية استقلاليتها. ولا يمكن للعريس أن ينهي كتابا عن السينما العربية دون الحديث، وإن سريعا، حول سينما المغرب العربي، فالجزائر حققت أول انجاز عربي عندما انتزعت منتصف سبعينات القرن الماضي السعفة الذهبية في مهرجان «كان» عبر فيلم الأخضر حامينا «وقائع سنوات الجمر»، تلك السينما التي انطلقت بعد الاستقلال مطلع الستينات على يد احمد راشدي وسليم رياض وعبد العزيز الطلبي ومحمد البو عماري، أما الانتقال الأبرز فجاء مع مرزاق علواش الذي انتقل في فيلمه «عمر قتلته الرجولة» (1976م) من تمجيد الثورة الجزائرية إلى انتقاد ما آلت إليه، وإذ تراجعت السينما في هذا البلد، فإن السينما المغربية، في المقابل، حققت انجازات هامة في العقود الأخيرة إذ «بدت من أكثر السينمات العربية دنوا من الحركية الاجتماعية» مثل أفلام جيلالي فرحاتي، ونبيل عيوش، وفريدة بليزيد حتى غدت السينما المغربية ثاني انجح سينما عربية بعد المصرية، وكذا الحال بالنسبة للسينما التونسية التي انطلقت ببدايات متواضعة في الستينات، لكنها حققت، فيما بعد، نجاحات لافتة على يد مخرجين كبار من أمثال فريد بو غدير، ونوري بو زيد، والطيب الوحيشي، ورضا الباهي، ومفيدة التلاتلي، والناصر خمير وغيرهم.
هذه البانوراما السينمائية لا تزعم الإحاطة بكامل المشهد السينمائي العربي، بل هي إطلالة سريعة على أبرز المحطات، وهي خلاصة متابعة طويلة لمختلف النتاج السينمائي العربي، والأهم من ذلك أن هذه الأبحاث التي تعود تواريخ بعضها إلى الثمانينات، تنبه إلى مشكلات جوهرية مزمنة، والى هموم وأسئلة سينمائية تتكرر لدى كل مهرجان أو مؤتمر سينمائي عربي.
الكتاب: الشاشة المرآة
تأليف : إبراهيم العريس
الناشر: وزارة الثقافة السورية، المؤسسة العامة للسينما، دمشق ـ 2008م
الصفحات: 221 صفحة
القطع: المتوسط
إبراهيم حاج عبدي

