ينطلق أبو يعرب المرزوقي في كتابه «تحديات وفرص ـ محاورات في أحوال الفكر والسياسة عند العرب والمسلمين» من فكرة مفادها أن حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 طرحت على الفكر الإسلامي تحديات وأسئلة عما إذا كانت هذه الحادثة إسلامية تعبر عن مبارزة بين ممثل الشرق والمسلمين (بن لادن) وممثل الغرب والصليبيين ( بوش )، أم أنها حادثة سياسية لا تنتسب إلى حضارة معينة، من منطلق أن الإسلام لا يتعين في مسلمين جغرافيين بقدرما هو رسالة موجهة إلى العالمين جميعاً، أي أنه رسالة متعالية على كل الحضارات.

ويرى المؤلف في المحاورة الأولى المعنونة بـ « مقال في وسطية العقلانية الإسلامية» أن الفكر الإسلامي لم يخرج من منطق سوء فهم العلاقة بين العقلي والنقلي، مما جعل مفهوم الوسطية التي تجعل الجمع المزعوم توازناً بين العقلي والنقلي نفياً للعقل والنقل على حد سواء، الأمر الذي جعل حضارتنا تصبح عقيمة رغم كل محاولات النهوض منذ قرنين.

وفي المحاورة الثانية التي مدارها الأساسي «مقارنة الفكرين العربي والإيراني من خلال دور النخب في النهضة والصحوة» يرى المؤلف، مستشهداً بالمفكر الفرنسي المعاصر مارسيل غوشيه، أن التدين يمكنه أن ينتعش في ظل سياقات لا دينية عالية الحداثة، على أساس أن المسيحية في صيرورتها الغربية تعاضدت مع التشكيلات الفكرية للحداثة وما بعد الحداثة، وأضحت عاملاً أساسيا في تثبيت مقومات الحضارة الغربية، أي اعتبر المسيحية «دين الخروج من الدين». وبالتالي يرى المؤلف أن طبيعة الممارسات الدينية في العالم الإسلامي المعاصر تتجه عملياً إلى اتجاه «الخروج من الدين» ولكن عبر الدين نفسه.

أما في المحاورة الثالثة التي تدور حول منزلة المرأة والإعلام، فيرى المؤلف أن القرآن أعطى المرأة حقها في المال والحكم ولم يبقها تابعة للرجل. وبصورة أكثر خصوصية يرى أن سورة النساء تضبط العلاقة بين الرجل والمرأة بصورة نسقية، ويخص هذا غايتي الوجود الخاص ـ الفاعل (الجنس والنسب) من حيث تعدد الزوجات لحماية النسب.أما تحليل الطلاق فغايته أن تكون المرأة مساوية للرجل، لأن ذلك يحل للمرأة التعدد الجنسي من خلال الطلاق دون تعدد الأنساب.

وفي محاورة أخرى تدور حول رهانات الفكر العربي والتقدم، يرى المؤلف أن الاتجاه الصوفي تجاوز القيود العقلية التي توارثتها التقاليد الفلسفية المنطقية ذات المنحى الأرسطي في التفكير. وبالتالي ينظر المرزوقي إلى كبار المتصوفة من أمثال ابن عربي والحلاج بعين ابن خلدون في كتاب الشفاء على أنهم معرفياً يلامسون المستحيل، ويراهم في كتاب المقدمة على أنهم يعدّون عملياً إلى أخطر نظام فكري. ويرى أن أفعالهم تلك كانت علة انحطاط الأمة المادي والروحي، على اعتبار أن العلم والعمل أصبحا فعلين ممتنعين.

وفي محاورة أخرى تدور حول « حال الأمة الظرفية » يرى المؤلف أن الأساس القومي فشل في توحيد العرب، كما تبين الحرب التي دارت رحاها بين من يزعمون أنفسهم ممثلي القومية ومن يزعمون أنفسهم ممثلي الإسلام: بدءاً بحرب اليمن بين مصر والسعودية وانتهاء بحرب الكويت. كما أن الأساس الإسلامي على أبواب الفشل، حيث بدأت سحبه تتلبد من خلال الحرب الطائفية التي تلوح بالأفق بين السنة والشيعة في أقطار الوطن العربي. إن الكتاب كما يقول مؤلفه قد يكون مغامرة غير محسوبة ، لكن يبدو أنها مغامرة تستحق التوقف عندها.

الكتاب: تحديات وفرص محاورات في أحوال الفكر والسياسة عند العرب والمسلمين

تأليف : أبو يعرب المرزوقي

الناشر: دار الفرقد - دمشق 2008

الصفحات: 271 صفحة

القطع: الكبير

د. رشيد الحاج صالح