ينطلق الباحث علي المحجوبي في كتابه «العالم العربي الحديث والعاصر» من اعتبار أن تاريخ العالم العربي الحديث ارتبط كثيراً بتاريخ أوروبا الغربية ثم الولايات المتحدة الأميركية، حيث لعبت العوامل الخارجية دوراً لا يستهان به في السيرورة الحديثة للمجتمعات العربية.

وأصبح مصير العرب يقرّر في عواصم القوى العظمى وفقاً لما تقتضيه مصالحها، منذ اختلال موازين القوى بين الغرب والشرق الذي بدأ مع النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر واستفحل في القرنين التاسع عشر والعشرين في أعقاب الثورة الصناعية التي عرفتها أوروبا الغربية ثم الولايات المتحدة الأميركية. ويُرجع المؤلف احتلال بلدان المغرب العربي إلى حاجة القوى العظمى، وخصوصاً بريطانيا العظمى وفرنسا، إلى أسواق لتصريف بضائعها المصنعة المتراكمة، وإلى مجالات لاستثمار أموالها الفائضة، بسبب الأزمة الاقتصادية التي واجهتها هاتان الدولتان، والتي تعود إلى ضيق السوق الداخلية وإغلاق الأسواق الأوروبية. وعليه كان لا بد لإيجاد حلّ لها وإنقاذ اقتصادها من الإفلاس والبحث عن أسواق جديدة، والذي وجدته في احتلال الجزائر ثم تونس ومصر والمغرب الأقصى.

ويرى علي المحجوبي أن تخلف البلدان العربية وسوء أحوالها، قد جعلها قابلة للاستعمار، ووفر الظروف الملائمة لاحتلالها والهيمنة عليها من جانب القوى الأجنبية. لكنه يعتبر أيضاً أن تدهور الأوضاع في الإمبراطورية العثمانية جعلها عاجزة عن النهوض باقتصادها ومجتمعها على منوال القوى الغربية، فأصبحت تُنعت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالرجل المريض، ووفرّ أرضية سانحة لأطماع الغرب في مقاطعاتها العربية.

حيث استغلت إيطاليا هذه الظروف لاحتلال ليبيا سنة 1911، ثم قُسمت غداة الحرب العالمية الأولى، منطقة الشرق الأوسط بين القوى الأوروبية الكبرى، فكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا والعراق وفلسطين من نصيب بريطانيا العظمى، وذلك لما لهذه المنطقة من أهمية إستراتيجية بالغة. وازداد اهتمام القوى الكبرى بها مع اكتشاف النفط وتطور إنتاجه، إذ أصبحت بذلك للمشرق العربي، إلى جانب أهميته الإستراتيجية، أهمية طاقتيّة وبالتالي اقتصادية.

ويخلص علي المحجوبي إلى نتيجة مؤداها أن تاريخ العالم العربي الحديث والمعاصر هو بمنزلة الصراع المستمر بين القوى الإمبريالية، التي ما انفكت تعمل من أجل الهيمنة على العالم العربي، والشعوب العربية ترفض الخضوع لها وتثابر بالتالي على مقاومتها. ويستند إلى مقولة للمؤرخ البلجيكي هنري بيران التي تعتبر أن التاريخ هو امتداد وتضامن، وأن دراسة الماضي تمكننا من بلورة الحاضر لاستشراف المستقبل.

ويلاحظ المؤلف أن الاحتلال العسكري والاستعمار المباشر الذي نجم عنه قد عادا معاً بقوة إلى الساحة السياسية في ظل العولمة بعد ما ظنّ الكثير أن عصرهما قد وليّ. وتجلت هذه الطاهرة في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، حيث جرى احتلال أفغانستان ثم العراق بعد الأحداث التي استهدفت الولايات المتحدة الأميركية في 11 سبتمبر 2001.

كما استغل الكيان الصهيوني هذه الظروف لإحكام قبضته علي الأراضي العربية المحتلة منذ 1967 وكذلك لاجتياح لبنان في صيف 2006 بدعوى الدفاع عن النفس ومقاومة الإرهاب. وكان ردّ فعل الشعوب العربية يتمثل في المقاومة التي احتدت في إثر الاحتلال المباشر للعراق سنة 2003، وكذلك في إثر اجتياح الكيان الصهيوني لأرض لبنان في شهر يوليو 2006.

وبرهنت عن قدرتها على التصدي بشجاعة للعدو الصهيوني وقصف أراضيه بصواريخها، داحضة بذلك أسطورة الجيش الذي لا يقهر وكذلك الاعتقاد السائد في إسرائيل بأن الحرب مع العرب لا تقوم إلا على الأراضي العربية وبالتالي بمنأى عن التراب الإسرائيلي.

الكتاب: العالم العربي الحديث والمعاصر تخلف فاستعمار فمقاومة

تأليف: د. علي المحجوبي

الناشر: دار الانتشار العربي ـ بيروت، 2009

الصفحات: 282 صفحة

القطع: الكبير

عمر كوش