أجرت صحيفة «غارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الروائية البريطانية أنطونيا سوزان بايات التي تحمل تقليدياً لقب سيدة الرواية البريطانية، في إشارة إلى صدارتها للمشهد الروائي البريطاني ولقب «ديم الإمبراطورية البريطانية» الذي منحتها إياه الملكة إليزابيث الثانية.
وقد بادرت الروائية الشهيرة إلى الإعراب عن اعتقادها بأن روايتها الصادرة حديثاً بعنوان «كتاب الأطفال» تعيد تأكيد ما قالته مراراً وتكراراً من أن الكتابة عمل خطر دوماً والقائمون بها مدمرون، وأشارت إلى التحديات العديدة التي تحملها هذه الرواية وفي مقدمتها أنها تخلو من شخصية رئيسية وأعربت عن اعتقادها بأن كل الحركات الطوباوية مآلها الفشل، لكنها تثير اهتمامها على الرغم من ذلك، وقالت إن الحكايات الخرافية أكثر أهمية بالنسبة لها من الروايات الواقعية. وفي ما يلي نص الحوار:
في مستهل الحوار مع أنطونيا سوزان بايات حول روايتها الجديدة «كتاب الأطفال»، تبادر إلى القول: «يبدأ الكتاب عندما يلتقي شيئان كنت تعتقد أنهما مختلفان. وقد بدأت روايتي الجديدة بالفكرة القائلة إن كتابة كتب الأطفال ليست بالشيء الجيد بالنسبة لأطفال المؤلف. وهناك بعض القصص الفظيعة في هذا الصدد. وعلى الأقل فإن كريستوفر روبن قد عاش، أما ابن كينيث جراهام فقد استلقى على قضبان السكك الحديدية وانتظر قدوم القطار، ثم هناك إم باري. ومن المؤكد أن أحد الفتية الذين تبناهم باري قد أغرق نفسه. وقد بدا لي هذا أمراً يستدعي البحث فيه. وكان الشيء الثاني هو أنني مهتمة بشجرة عائلة الروائية إي. نسبت وكيف أن كل أعضائها قد بدو من الغائبين ومن كتاب القصص الخرافية».
وتعد رواية «كتاب الأطفال» على أحد المستويات عملاً من أعمال الواقعية السيكولوجية، كتب بمزيد من العناية، فجاء حافلاً بالمعلومات وبالدقة البحثية عن حياة عائلات عدة على امتداد عقود من الزمن. وتوضح بايات أنها وضعت الخطوط الزمنية للرواية على نموذج ورقي لبرنامج «إكسل» الكمبيوتري للتأكد من صحة النطاق العمري لكل شخصية من شخصيات الرواية في جميع الأوقات. ويمكن للقارئ أن يتعلم الكثير من الرواية عن الكيمياء، الخزف، الحياة السياسية، الأدب، حركة منح حق الانتخاب للمرأة والفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى مباشرة.
وعلى مستوى آخر، فإن الرواية حافلة بالحكايات الخرافية، التحديات، الغرف الموصدة، الرحلات بقطارات الأنفاق والفتية الذين يرفضون أن يكبروا، وهي تتلاعب عن عمد بالمؤثرات الأسطورية مثل الفضة والذهب.
وتقول بايات في هذا الصدد: «ليس بمقدوري أن أوضح كم كان أمراً شديد الأهمية بالنسبة لي أن تقول أنجيلا كارتر: لقد نشأت على الحكايات الخرافية وهي أكثر أهمية بالنسبة لي من الروايات الواقعية. ولم تكن لديّ الجرأة للتفكير في ذلك إلى أن قالت ذلك، وأنا مدينة لها بالكثير.
وهذا الكتاب أيضاً بلا مركز، وعندما وصفت بايات خلال الحوار معها «أوليف» بأنها بطلة الكتاب، بادرت إلى استدراك ما قالته: «لقد سمعت نفسي أقول تلك الكلمة. ولكنني أعتقد أنه ليست هناك شخصية رئيسية. لقد قالت إيريس ميردوخ يوماً إن العالم فيه أكثر مما يمكنك تخيله من الناس. وقالت إنها عندما تفرغ من رواية فإنها تريد البدء في كتابتها من جديد من وجهة نظر كل الشخصيات الثانوية. وبمعنى ما من المعاني فإنني قد شعرت بأنني قادرة على القيام بذلك، لأن الشخصيات الثانوية أصبحت شخصيات بارزة عندما تحول الكتاب بنظرته إليهم».
وتمس الرواية أيضاً ما تصفه بايات بأنه: «واحد من أحد الموضوعات المنتظمة في كتاباتي لا أفهمه في مفارقة للعديد من الموضوعات التي أفهمها، فأنا لست أفهم السر في أنه في كتاباتي تعد الكتابة دوماً شيئاً بالغ الخطورة. إنها مدمرة للغاية. والناس الذين يؤلفون كتباً هم أناس مدمرون».
وتحل الحرب العالمية الأولى في نهاية «كتاب الأطفال» كالمقصلة. وكما لم تكن هذه الحرب متوقعة من قبل التاريخ، فإنها لم تكن متوقعة أيضاً من قبل المؤلفة. وهي تقول في هذا الشأن: «بدأت الاشتغال على تسعينات القرن التاسع عشر من دون إمعان التفكير في أن كل أولئك الأطفال سيموتون في الحرب. وأنا أواصل محاولة إقناع الناس بإبعاد تعبير (تطل في الأفق) عن مواد التعريف بالرواية».
وخلال قيام بايات بإجراء الأبحاث من أجل الرواية، توصلت إلى اكتشاف كان أشد جودة ـ أورداءة ـ من أن يكون حقيقياً، فقد عرفت أن الجنود خلال الحرب العالمية الأولى كانوا يطلقون على الخنادق والنقاط الحصينة عناوين كتب الأطفال، من قبيل «خندق بيتربان» و«كوخ ويندي» وغير ذلك.
وتتداخل في الكتاب الحكايات الخرافية والسياسات الطوباوية. وتقول بايات في هذا الصدد: «إنني مخلوقة متشائمة بطبيعتي، وهناك نوع من البراءة في هؤلاء الناس الذين يصادفهم القارئ في الرواية، فقد جاءوا بعد سمت العصر الفيكتوري، الذي أحبه بطريقة لا أحب بها هؤلاء الناس. وأنا أحب براونينج بطريقة لا أحب بها أحداً في الفترة الزمنية التي تقع خلالها أحداث الرواية، ما عدا رودان. وأنا أحب تنيسون أيضاً، وأنا أحس بأنهما كانا يدركان أن العالم قد يكون مأساوياً بينما جيل شو وولف لم يكن يدرك ذلك».
وهي تتعرف الروح العاطفية علي نحو صبياني ذاتها في النصف الثاني من القرن العشرين، وتقول: «لست أحب ستينات القرن العشرين أيضاً. وآخر رواية كبيرة كتبتها هي: «امرأة تطلق الصفير» وكانت تدور من ناحية حول النزعة الطوباوية ومن ناحية أخرى حول نوعية خطرة من الرومانسية. ولست أؤمن بأن البشر خيرون بصورة أساسية، ولذا فإنني أعتقد أن كل الحركات الطوباوية مقدر لها أن تمنى بالفشل، لكنني أظل مهتمة بها».
وقد كانت بايات في مقدمة المعجبين والمشجعين للكتّاب الأصغر من جيلها سناً في بريطانيا، ومن بينهم لورنس نورفولك، ديفيد ميتشيل، آدم ثيرلويل وآلي سميث. وهي تقول إن حماسها في هذا الصدد: «نابع من الاهتمام، لأنني أتمنى أن يكون هناك عالم أدبي لا يقوم فيه الناس بتأليف الكتب حول مشاعر الناس فحسب. ولو أن القارئ لاحظ الأمر، فإن كل من أحبهم يكتبون أيضاً عن الأفكار.
وقد كانت هناك هذه النوعية من الصور المهزوزة عما هو جيد في التأليف البريطاني، والتي يبرز فيها ماكويان، إيمس، جراهام سويفت وجوليان بارنز، ولكن هناك جميع أنواع الأمور التي تحدث أيضاً. وفي حقيقة الأمر فإنني معجبة بهؤلاء المؤلفين الأربعة جميعاً، وهم لا يكتبون عن مشاعر الناس فحسب، ولكن مع ذلك فإن هذا الاتجاه قد تحجر».
