مع أفول سطوة الفن الإغريقي ـ الروماني على الفنون التشكيليّة الأوروبيّة الحديثة والمعاصرة، لا سيما خلال عصر النهضة وما بعده، وبالتالي، خروج الفنان الأوروبي المعاصر، إلى آفاق جديدة طاولت دولاً وشعوباً مختلفة في الشرق والغرب والجنوب والشمال، وبشكل خاص ما كان يُطلق عليها الدول (البدائيّة) أو (النامية) في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة، كانت ممنوعة عليه، أو غير مرغوبة، اكتشف هذا الفنان حضارات جديدة وهامة ومثيرة، لا تقل قيم ثقافتها وفنونها وأصالتها، عن قيم الثقافة والفنون الإغريقيّة والرومانية إن لم تبزها.
مع التطور التقني المتلاحق، وولادة فنون جديدة مرتبطة مع هذا التطور (كالتصوير الضوئي) وتداعياته اللاحقة، كالسينما والتلفاز والإنترنت، بدأت مواد وخامات وأساليب تعبيريّة جديدة، تزاحم المواد والخامات والأساليب التقليديّة، في الفنون البصريّة، لا سيما منها الفنون التشكيليّة التي سحبت الفنون البصريّة الجديدة منها، جملة من المهام والوظائف والأدوار، ما دفعها للارتداد إلى نفسها، والبحث عن آفاق جديدة، تتمكن فيها، من تجديد أدوات تعبيرها وتطعيمها بإفرازات الفنون الجديدة، والبحث بالتالي، عن دور جديد لها، في عصر انتهكته التكنولوجيا المتطورة والدائمة التجديد والإضافة. كما حوّل التطور المذهل، لوسائل الاتصال البصري، كوكب الأرض الذي نعيش فوقه، إلى قرية كونيّة صغيرة، ما ساهم بانتقال الكشوف المعرفيّة والفنيّة والتقانيّة، إلى الشعوب كافة، وبسرعة قياسيّة أثرت على بنيتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.
مع ذلك، ورغم الاجتياح الطاغي للتكنولوجيا لحياة الإنسان المعاصر، وانعكاساتها الكثيرة على ثقافته وفنونه، ظل هناك من يصر من الفنانين التشكيليين، على اعتماد وسائل التعبير التقليديّة في إنجاز الأعمال الفنيّة التعبيريّة، بل والبحث في الطبيعة، عما يدعم هذه الوسائل، متخذاً بذلك، مساراً مخالفاً لفئة أخرى، ربطت فنونها بإفرازات التكنولوجيا وتخلت عن المفاهيم التقليديّة التي حددت ماهية العمل الفني البصري ووسائل تعبيره وتقاناته، معلنةً بذلك، انهيار الحدود بين هذه الوسائل، وولادة العمل الفني المركب الذي بإمكانه المزاوجة بين عدد من الفنون كالفن التشكيلي، والمسرح، والسينما، والموسيقا، والشعر، والعمارة، وبين عدد من التقانات كالرسم والتصوير والحفر المطبوع والنحت والصورة الضوئيّة، في عمل فني واحد!!.
فطرية الفن
آخر إضافات الفنان مطيع علي الحاضنة لفطرية الفن وغناه، قدمها في معرض فردي بدمشق، بعد أن أنجزها في قريته الصغيرة (القنجرة) الغافية إلى جوار (أوغاريت) على الساحل السوري، وفيها يتابع الاتجاه الفني الذي اختطه لنفسه، منذ كان طالباً في محترفات كلية الفنون الجميلة بدمشق، منتصف سبعينيات القرن الماضي، والقائم على نوعٍ من الواقعيّة السورياليّة الرافلة بخيال خصب، ونزعة مدهشة، لمزج عناصر وموجودات قريته بتضاريس الجسد الأنثوي العاري، ضمن توليفة فطريّة جميلة، يطرزها الخيال، وتضوع منها، أشواق الفنان وصباباته المدنفة، لامتلاك تضاريس الكيانين معاً: كيان قريته، وكيان الجسد الأنثوي.
سمفونية الحياة
ففي أعمال مطيع علي، تتداخل وتختلط بيوت قريته وأشجارها وصخورها وحيواناتها وينابيعها، بتضاريس الجسد الأنثوي العاري المتنامي فيها كالمطلق، والمنساح فوق سطوحها كالينابيع الربيعيّة، طولاً وعرضاً وعمقاً.
ما يدهش في تجربة هذا الفنان، قدرته العجيبة على اجتراح فعل التعبير عن أفكاره وخيالاته المجنحة، بأية مادة أو خامة تصل يده إليها (قلم رصاص، قلم حبر، ألوان، خردة، أسلاك، خشب، أغصان أشجار، فواكه وخضار مجففة، اسفنج، ليف، ورق، كرتون، جلد، حبال، صفائح معدنية، مسامير... الخ) ومؤخراً، طلع علينا بخامة جديدة هي (اليقطين اليابس) ولهذه الخامة التعبيريّة الجديدة، حكاية طويلة في تجربة هذا الفنان.
مراقبة واكتشاف
فقبل ما يربو على ربع قرن من الزمن، لفت انتباه مطيع علي نوع من الخضار الصيفي المنتشر في الريف السوري، والذي يُستخدم بعد أن يجف وييبس، أوعية للماء ومشتقات الألبان هو (اليقطين) أو (القرع) الذي يُطبخ وهو أخضر، مع الخضار، أو يحشى بالرز واللحمة مثله مثل الباذنجان والكوسا، أو يُقلى، أو يطبخ مع البرغل. واليقطين نوعان: الأول ينمو بشكل طولاني ليبدو كالبالون المستطيل، أو بشكل كروي مع عنق، وهو ذو سطوح ملساء ومنسابة، تبدأ خضراء فاتحة، ثم تتحول إلى البني الفاتح أو (البيج الغامق) كلما جفت ويبست، وهذا الأمر يجب أن يتم وهي مرتبطة بشتلتها. أي يجب أن تجف على أمها.
لقد أغرت الفنان مطيع علي، سطوح القرع الخضراء الملساء الواسعة المستديرة والملفوفة كأفخاذ العذارى، فقام بالرسم عليها، وكتابة أسماء من يحب ويحترم ويُجل تاركاً إياها لتنضج وتيبس وتأخذ شكلها النهائي الذي تصرف قليلاً به، تاركاً للطبيعة مهمة إكماله، وبالشكل الذي تريد.
إضافة جديدة
في معرضه الأخير بدمشق، فاجأ مطيع علي محبي فنه، باستخدامات جديدة ومبتكرة وطريفة لليقطين أو القرع، يتطلب أناة وصبر طويلين، حتى تُنجز، وتأخذ شكلها المجسم والمعبر في الفراغ.
فبعد أن تأخذ اليقطينة شكلها الأولي وهي على أمها، يقوم مطيع بربط أجزاء منها بخيطان، أو يدخلها في أوعية وقوالب، أثناء فترة نموها ونضجها ويباسها، وهذه الأشكال والأوعيّة، شبيهة بصدر امرأة، أو فخذها، أو جذعها، أو رأسها، أو يدها.
وقد تكون قريبة الشبه بجسد حيوان أليف يعيش معه في القرية (هر، أرنب، ثعلب، خروف) وقد يستلهم شكله الفراغي، من التاريخ الحضاري لمنطقته (أوغاريت)، أو من إحدى وسائل الإضاءة القديمة (الفانوس) أو يترك لخياله ويده، ابتكار شكل جديد يصعب تصنيفه، استلهمه من التكوين أو الهيئة التي جاءت عليها اليقطينة، أي التي منحته إياها الطبيعة، خارج المتوقع والمراد، وذلك عن طريق القص والإضافة والتلصيق. وبعد إنجاز العمل بأكبر قدر من العفوية ومطابقة الواقع، يمنح المنجز الفراغي، طبقة حافظة (لكر أو كمليكا) ليصبح بعدها جاهزاً للعرض.
عملية إنجاز العمل الفني المُشكّل من اليقطين، يستغرق من الفنان مطيع علي نحو ستة أشهر من المراقبة والمتابعة (من شهر أيار حيث موعد بزوغ اليقطينة وتشكّلها على أمها وحتى شهر تشرين الأول، موعد جفافها ويباسها) حيث يقوم بعدها، بلم وتجميع محصوله، وإجراء عملية القص والتلصيق بوساطة مادة الغراء الممزوج بنشارة ناعمة مأخوذة من النبات نفسه، مستنهضا بها ومن خلالها، تكويناته الفراغيّة الطريفة والمعبّرة والفطريّة، وهي في العادة، مجسمات تدور في فلك عشقيه الأزليين: قريته وموجوداتها، والجسد الأنثوي وتضاريسه.
د. محمود شاهين

