قدمت الصحف الأميركية والبريطانية مؤخرا على صفحات ملاحقها الثقافية عرضا وافيا لكتاب السيرة الذاتية «عالم أحببته» للكاتبة العربية وداد المقدسي قرطاس، والذي صدر بمبادرة من ابنتها مريم سعيد زوجة، الأديب والمفكر الفلسطيني الأصل الراحل إدوارد سعيد، وذلك بمناسبة مرور 100 عام على تاريخ ميلاد والدتها التي تركت بصمة في تاريخ تحرر المرأة العربية ووطنها لبنان. وتجيب مريم في المقدمة التي تصدرت الكتاب، على سؤال والدتها الذي طرحته في مذكراتها، «أتساءل إن كانت الأجيال القادمة ستكون أكثر حكمة من جيلنا».
رشا المالح
في حين اقتصرت عروض المطبوعات على تقديم لمحة عن حياة امرأة عربية عاشت في زمن لم يكن للمرأة حيز فعال سواء على الصعيد المهني أو الاجتماعي، قدمت المحللة ناديا حجاب التي تحمل الزمالة من معهد الدراسات الفلسطيني في واشنطن عرضا وافيا وشاملا بالانجليزية.
«كان زمنا عصيبا للحالمين» كتبت الأديبة الراحلة وداد مقدسي عام 1935، حينما كانت في السادسة والعشرين من عمرها وفي زمن كانت تتوق فيه للتحدث بلغتها وقراءة الكتب العربية وتحقيق الاستقلال والتحرر من الانتداب الفرنسي الذي كان يفرض لغته في التعليم. وتغطي سيرة حياتها القرن العشرين ابتداء من تاريخ ولادتها عام 1909 وحتى وفاتها عام 1979.
كتبت المقدسي عن الحياة والسفر في الشرق الأوسط، قبل رسم المستعمر للحدود حيث قسم سوريا الكبرى إلى دويلات منفصلة، وعن عالم النضال والاستقلال حينما وجدت الشابة وداد نفسها مديرة للمدرسة الأهلية الوطنية الابتدائية في لبنان، والتي كانت بمثابة شوكة في حلق قادة المستعمرين الفرنسيين.
وتحدثت أيضا عن زمن تعايش فيه العرب مع اليهود كتعايشهم مع الروس والأرمن والأتراك بسلام ووئام قبل اغتصاب فلسطين وتحويلها إلى إسرائيل. وفي الجامعة الأميركية ببيروت كانت من ضمن الاثنتي عشرة طالبة اللواتي جاهدن لتحقيق مكانة لأنفسهن سواء في عالم الدراسة أو الحياة العامة، وذلك مقابل 1000 طالب.
وتصف في مذكراتها دقائق الحياة في بيروت من أشجار التوت إلى بساتين الفاكهة التي استبدلت في الزمن الحاضر بمطاعم أنيقة ومقاه، والبحر الذي قالت فيه، «تعلمنا أن نحب البحر بكافة تقلباته»، وتحكي عن الصياد العجوز خليل، الذي بقي بجوار البحر حينما قذف الإيطاليون الساحل اللبناني في الحرب العالمية الأولى حيث قال، «الغزاة يأتون ويرحلون. لكن البحر وحده الباقي معنا إلى الأبد».
نشأت وداد وتشكل وعيها في أجواء السياسة، التي كانت موضوع حياة أو موت. وكانت تستمع إلى والدها وأصدقائه يتجادلون مطولا في المساء، إن كان نشدان العرب للاستقلال أفضل تحت حكم الإمبراطورية العثمانية الضعيفة، أو الاستعانة بالبريطانيين والفرنسيين. وتذكر أن العرب الوطنيين اختاروا الاحتمال الأخير ودفعوا الثمن غاليا حتى يومنا هذا.
تنحدر وداد من عائلة نساؤها جليلات وقويات، وتربت في كنف والد لم يميز في تربيته بين الشاب والفتاة. وكانت وأختها أول الفتيات من مدرستهما ـ الأهلية أيضا ـ يذهبان إلى الجامعة. وبينت أن حياتهما خلال فترة دراستهما في الجامعة الأميركية، اقتصرت على الدراسة دون أية حياة اجتماعية.
كما تصف بأسلوب رشيق يجمع بين السخرية والحزن مع دقة في الوصف وإحساس مرهف، انطباعاتها الخاصة بزياراتها للولايات المتحدة حيث درّست طلبة الدراسات العليا. وتحكي عن الأقلية السود في جامعة ميتشيغان قائلة «كانوا منغلقين على أنفسهم. وحينما أتيحت لي الفرصة للتحدث مع البعض منهم، استفاضوا في وصف معاناتهم».
وتقول انها من خلال ما سمعته كونت انطباعها المتمثل في أن معاناة السود ستستمر لزمن طويل قبل أن تتغير الأوضاع. وتحكي عن تجربتها في التدريس في العراق عام 1930، حيث كانت تعبر في بغداد نهر دجلة يوميا، وتصف جمال ضفتيه المجللتين بأشجار النخل الفارعة التي يتدلى من فروعها التمر الأحمر والحدائق والقصور، وقالت «لم يكن لدي ما يكفي من عيون، لرؤية كافة مشاهد الطبيعة الآسرة في تلك المدينة الساحرة».
وكان الحد الفاصل في حياتها بين عالمي السياسة والتدريس، حينما اختيرت لإلقاء خطاب بمناسبة تخرج مجموعة من الطيارين العرب، حيث تسبب حماسها واندفاعها في الإشادة بأول طيارين عرب يطيرون في السماء العربية، في إزعاج السلطات البريطانية.
وكتبت قبل وفاتها عام 1979، «ازدحمت الذاكرة بذكريات الحرب في شبابي وكذلك في المراحل الأخيرة من عمري وفي كل مرحلة ما بينهما»، فقد شهدت قرطاس في وقت مبكر ازدهار الوطنية ومن ثم شر القضاء على الوطنيين العرب، وكارثة فلسطين عام 1948، التي فرزت المنطقة إلى حركات تحرير وطنية، والثراء نتيجة اكتشاف النفط، والحكام الدكتاتوريين الذين صادروا حريات شعوبهم.
وذكريات سنواتها الأخيرة موشومة بفجائع وأهوال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث وصفت بجمل قصيرة متقطعة محاولة الاختباء بين قتالات الشوارع. كما تتجلى وطنيتها في تحدثها عن حقوق الناس بالأراضي المرتبطين بها والتي تعبر عن هويتهم. وتتساءل إن كانت الأجيال القادمة ستكون أكثر حكمة من جيلها. ومن نسيج تلك الذكريات يدرك المرء ما يعنيه أن يعيش العربي في بعض الأحيان في بئر من الأحزان.
