قبل أكثر من عشرين عام خلت، عثر الكاتب الكولومبي هيكتور عباد فاسيولنسي في جيب والده القتيل على قصيدة غير معروفة للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس(1899-1982). ومنذ ذلك الحين، انغمس في عملية تحقيق وتقصٍّ قادته من فرنسا إلى الأرجنتين للتأكد من هوية مؤلف تلك القصيدة، لكن فاسيولنسي يؤكد أن الشك لم يساوره قط حول أن مؤلفها هو بورخيس دون غيره.
حكاية هذه القصيدة اللغز تعود إلى 25 أغسطس 1987، عندما قامت القوات شبه العسكرية في كولومبيا بقتل دكتور هكتور عباد وثقبت جسده بالرصاص في شارع الأرجنتين في مدينة ميديين. نجله، الكاتب هيكتور عباد فاسيولنسي، وصل ساحة الجريمة بعد دقائق من وقوعها، ووجد والده قد فارق الحياة، قبله وأخرج من جيبه ورقتين. واحدة تحتوي على قائمة بأسماء أشخاص مهددين من قبل المتمردين يتصدرها اسم المغدور نفسه والأخرى مكتوب عليها قصيدة حول الموت، موقعة بـ خ.ل.ب.وعلى الرغم من أن تلك القصيدة كانت تتمتع آنذاك بأهمية أقل بالنسبة لعباد، إلا أنه دونها في يومياته ونشرها في نوفمبر من ذلك العام في مجلة «الإسبيكتادور»، حيث كتب مؤكدا أن القصيدة تعود لبورخيس.
وبسسبب روعتها والطريقة الغريبة التي وجدها من خلالها، أصبحت القصيدة تتصدر شاهد قبر والده، الذي كتب عليه «النسيان الذي سنكون» وهو عنوان تلك القصيدة التي باتت محور حكاية بديعة ومأساوية وغامضة في أن يسدل الستار عليها اليوم في بوغوتا بعد مرور 22 عاما.
في يومنا هذا، يقول عباد: «انتظرت وقتا طويلا ليس من أجل كتابة القصة فحسب، وإنما كي أدرك بأنه كان هناك قصة تروى حقا»، ومنذ سنتين تمكن عباد من تأليف كتاب حول والده وأسماه «النسيان الذي سنكون» وتحدث فيه عن طيبة والده وشرور القتلة، لكنه لم يول اهتماما كبيرا فيه لأوزان العروض التي لم تكن تثير اهتمامه بعد، فالمهم أنه أتى على ذكر القصيدة ولقد استغرقت كتابة ذلك المؤلف 20 عاما مصحوبة بالألم، ولم يحدث شيء يذكر طوال الأعوام العشرين تلك.
لكن على ضوء النجاح التجاري لعمله، عادت القصيدة على حين غرة لتثير من جديد إشكالية سرعان ما حظيت باهتمام مباغت وغير متوقع بعد أن راح كثيرون يكيلون الاتهامات لعباد ويقولون إن الأمر برمته لا يعدو كونه محاولة الجمع بين «إسمي القزم»، كما يقول عباد، وبين شخصية بورخيس العملاقة بغية زيادة مبيعات الكتاب، ما دفع راح الناس إلى رفض فكرة أن القصيدة تعود لبورخيس.
قالوا، من دون لف أو دوران، إن عباد كان قد ابتكر حكاية تلك القصيدة التي وجدها في جيب والده، بينما يقول هو: «فكرت حينها أنه لا بد من انقاذ روعة القصيدة باكتشاف مؤلف لها غير بورخيس أو بالتأكيد على أن القصيدة له بالفعل».
قرر عباد الغوص في عملية البحث والتقصي حتى الأعماق مهما كلف الأمر. لكنه كان يواجه مشكلات عدة. فالقصيدة لا تظهر في أعمال بورخيس الشعرية ولا في أعماله الكاملة، ولقد بلغ السيل الزبى حين أضاع الورقة التي كان والده قد كتبها بخط يده.
لكن فكرة البحث عن مؤلفها الحقيقي كانت قد استحوذت على تفكيره ولم يجد أمامه من مخرج سوى المضي قدما في التحقق من هويته. في بادئ الأمر، قال شاعر كولومبي لعباد إن تلك القصيدة قد كتبت بعد مقتل والده، وهذا يعني أن الأبيات الشعرية الموزونة، التي كان عباد الأب، المدافع عن حقوق الانسان، يحملها في جيبه لم تكن قد كتبت بعد وأن المسألة برمتها لا تعدو كونها دعاية.
أما الشاعر الكولومبي فهو هارولد ألفارادو تينوريو، وهو الذي نشر تلك القصائد عام 1993، لكنه فعل ذلك بأخطاء عروضية واضحة، مبدلا بعض الكلمات ومكررا أخرى، ما ضلل الخبراء، الذين أكدوا من جديد على وجود عملية انتحال.
لكن ما الذي يقوله تينوريو في هذا الصدد. يقول عباد: «في البداية كان لديه عدة روايات. فلقد قال لي- تينوريو- إن تلك القصائد له ومن ثم قال إنها لبورخيس وإنها كانت قد سلمت لصديقة في نيويورك»، على حد تعبير عباد، الذي التقى الرجل عدة مرات. وبهذه الحالة أصبح السؤال المطروح هو: من أين كان والده قد أخرج تلك القصيدة آنذاك، أي قبل أن ينشرها تينوريو بست سنوات؟
عباد المتحمس والتائه يتعاقد مع طالبة لتقليب الأرشيفات وأمهات الكتب وكتب، عبر البريد الإلكتروني، إلى عشرات الخبراء في أعمال بورخيس، كما طلب إلى صديق مراجعة ماريا كوداما، أرملة بورخيس. وفي حين صادق الخبراء والأرملة على عملية الاحتيال، قامت مساعدته بالمهمة الموكلة إليها على أكمل وجه ونشرت، من بين أشياء أخرى، مقالة في صحيفة تصدر في مدينة ميديين طالبة من خلالها معلومات عن القصيدة.محاولاتها تلك أثمرت، ذات يوم، ظهرت مرارا وتكرارا في إحدى مكتبات ميديين المرموقة إمراة تدعى تيتا بوتيرو تعلم من أين كان والده قد نسخ القصيدة.
بوتيرو سلمت عباد قصاصة ورق انتزعتها من مجلة «سيمانا» يعود تاريخها إلى 26 مايو 1987، وفيها ملاحظة تمهيدية وصورة لبورخيس في الوسط وفي الأسفل قصيدتين موزونتين مذيلتين ببعض الكلمات التوضيحية التي تقول: «ظهر مؤخرا في الأرجنتين 300 نسخة من(كتيب) مكتوب بخط اليد بغية توزيعها بين الأصدقاء.
ولقد تم نشر الدفتر من قبل دار «إدسيونيس أنينيماس» للنشر وفيه خمسة قصائد كتبها خورخي لويس بورخيس وجميعها لم تنشر سابقا ومن الممكن أنها القصائد الأخيرة التي كتبها في حياته. وبعد مضي نحو عام على وفاة بورخيس، ينشر هذا الدفتر من قبل مجموعة من طلاب في مدينة ميندوزا الأرجنتينية وهم يتمتعون بكل المصداقية والاحترام لقول الحقيقة».
مساعدة عباد قامت بما تبقى وغاصت في الذاكرة وحصلت على أرشيفات البرنامج الإذاعي، الذي كان يقدمه عباد الأب أسبوعيا في ميديين. في إحدى حلقات ذلك البرنامج، كان الدكتور قد قرأ القصيدة، بينما لا تزال الإذاعة تحتفظ بالتسجيل.
عاد عباد لسماع صوت والده بعد 20 عاما وبيقين مماثل راح يبحث عن تينوريو، الذي أقر بأن خايمي كورياس، أحد طلبة الطب الذين ذكرتهم «سيمانا»،هو الذي جعل الأبيات الشعرية الموزونة تصل إليه، ويذكر عباد أنه «بالطريقة التي نشرها بها كورياس، فإن القصائد المنسوبة لبورخيس كانت تامة ولا غبار عليها»، وهذا يعني أن الأخطاء كانت أخطاء تينوريو.
تمكن عباد من الحصول على البريد الإلكتروني لكورياس، الذي أكد كل شيء. وأصبح من الواضح أن أحد مفاتيح هذه الحكاية قد يكون قابعا في ميندوزا. كورياس روى له قصته وعباد وجد عند كورياس القصة التي كان يبحث عنها دائما.
وهذا ما يرويه كورياس: «الأبيات الموزونة سلمها بورخيس بيده إلى فرانكا بير، إيطالية عاشت في ميندوزا متزوجة من جييرمو روكس، اللذان ذهبا مع الشاعر الفرنسي جان دومينيك ري لزيارة بورخيس. وحينها قام روكس برسم بعض الرسومات بينما كان الفرنسي يجري مقابلة مع الأديب الكبير. وفي نهاية المقابلة، طلب منه ري بعض القصائد غير المنشورة.
بورخيس قال له إنه سيعطيه إياها في اليوم التالي، الأمر الذي عادت من أجله فرانكا بمفردها في اليوم التالي. طلب منها بورخيس أن تفتح صندوق من الخشب وأن تخرج بعض القصائد التي كانت هناك. فأخذتها ونسخت منها عددا من النسخ. هنا تعرفت فرانكا إلى شخصية لطيفة أصبح صاحبها اليوم كبير في السن، لكنه على قيد الحياة، ويدعى كوكو رومايروني، وهو الذي جعل تلك النسخ تصل إلى أحد رفاقي، وأنا درستها وقمنا بنشر خمسة من القصائد الست التي التي وصلت. لكن هناك المزيد، ذلك أن ري ترجمها إلى الفرنسية ونشرها مع رسومات روكس في مجلته في فرنسا».
بعد مضي بضة أشهر،سافر عباد إلى ميندوزا. «كان يتعين علي التعرف إلى خايمي كورياس وإلى كوكو رومايروني كي يقولا لي كل شيء وجها لوجه»، كما يروي عباد، الذي ذهب كذلك إلى بوينس أيريس لرؤية فرانكا بير وجييرمو روكس وإلى باريس للقاء دومينيك ري، الأبطال الآخرون لهذه الحكاية. «بدا لي مهما أن يقول لي كل المشاركون في هذه الحبكة ما لديهم وجها لوجه»، على حد قول عباد. لكن مع مرور السنين، ظهرت بينهم بعض التناقضات كذلك. فرانكا بير تقول إنها هي التي سلمت القصائد ودومينيك يقول أنه هو الذي سلمها. بينما يقول عباد: «أعتقد أن بورخيس أعطاها لهما معا».
إلى أن ذهب إلى ميندوزا وتسلم ذلك الدفتر الذي نشره كورياس، إلى أن ذهب إلى باريس ورأى دومينيك ري مع القصائد والتصحيحات عليها بخط اليد، إلى أن تم الحديث في بوينس أيريس مع فرانكا بير وجييرمو روكس حول ذلك الرسم، كان كل شيئ مجرد لعبة نسخ ونسخ أصلية مدبرة ومثيرة للفضول. لكن بات عباد حينها على قناعة بأن القصائد تعود إلى بورخيس في واقع الأمر. وكل ما ينقص المسألة يكمن في أن يحذو القراء والخبراء بدورهم حذوه ويقتنعوا بالأمر نفسه.
في ظل هذه الدائرة المغلقة، راح عباد وكورياس وعلى مدار سنتين يرويان الأحداث، أرادا كتابة قصة بأربعة أيدٍ وتحويلها إلى كتاب، لكن ذلك الكتاب المشترك لم ير النور قط. فقرر كل منهما أن ينجز كتابه الخاص. عباد وصل إلى مئة صفحة واستسلم. «كان طويلا للغاية، كما لو أنه قصة حول بورخيس نفسه، ويحتاج إلى الإيجاز الذي مارسه بورخيس»، كما يقول عباد، بينما تمكن كورياس من إنجاز المهمة وذهب بالمخطوط إلى كولومبيا كي يلقي عباد نظرة عليه، وهما منهمكان الآن في ذلك ويتبادلان الحكايات من دون تقطير.
كلاهما كانا، مع قصتيهما الموازيتين اللتين تتقاطعان عند نقاط كثيرة، محط أضواء مهرجان مالبيسانتي، الذي اختتمت فعالياته في العاصمة الكولومبية بوغوتا، مؤخرا، حيث راحا يتبادلان مشاعر الامتنان على طاولة واحدة جمعتهما. ولقد رويا هناك القصة معا أمام مسرح يغص بجمهور من المستمعين الذين صفقوا لهما كثيرا. وبينما يقول عباد حول سكان ميندوزا: «لقد اهدوني قصتهم»، يضيف كورياس: «لم يراودني أي شك منذ 20 عاما بأن تلك القصائد لبورخيس».
حتى هذا الظهور لهيكتور ووالده المقتول والقصيدة في جيبه، كانت القصائد هناك في رزمة ورق منشورة قبل 20 عاما خلت. أما الآن، فالأفق مفعم بقصص لا حصر لها تروى وبالمزيد من الأبطال، كما يقول كورياس، الذي يؤكد أن النقاش سيبقى مفتوحا دوما، لأن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبطله هو بورخيس نفسه. لكن يبدو أن كليهما لا يهتمان بالحكم، فقصتهما منتهية.
وعباد يقول بوضوح: «خرجت سعيا وراء مؤلف تلك القصيدة كي أنسبها إليه، على الرغم من أن القصيدة نفسها تقول: لست ذلك الأحمق الذي يتشبث بالصوت السحري لاسمه».
باسل أبو حمدة

