تبين من مبادرة جنيف التي عقدت في ديسمبر من سنة 2003 أن اتفاقا كان من الممكن أن يتم ما بين الفلسطينيين واليهود.وكان هذا الأمل يراود من قبل الفيزيائي المعروف عالميا ألبيرت اينشتاين ـ الذي دافع بطريقته عن اليهود ـ حين اقترح عليه رئيس الوزراء بين غوريون سنة 1952 أن يصبح «الرئيس المختار للدولة المختارة». ما هي هذه القصة وما هي تفاصيلها ؟
ولد ألبيرت اينشتاين في «أولم» سنة 1879 في عائلة يهودية تعمل في التجارة، وتنتمي إلى البرجوازية الليبرالية حيث كانت عائلته يهودية الثقافة لكنها لم تكن متدينة، استقرت في ميونخ منذ سنة1880. دخل الطفل ألبيرت إلى المدرسة الكاثوليكية المتواجدة في المدينة وهناك اطلع على التعاليم الدينية. لكن هذا الطفل الموهوب لم يطور مفاهيمه في الدين اليهودي إلا في البيت. حين بلغ العاشرة من عمره أصبح فجأة «شديد التدين». بدأ يرفض أكل لحم الخنزير ويدفع أبويه إلى الالتزام بالأمور الدينية. وبدا ألبيرت يؤلف صلوات خاصة، يتلوها أثناء ذهابه في الطريق إلى المدرسة. لكن هذا التقرب والتعبد لم يدم طويلا إذ سرعان ما أصبح يشكك في مصداقية الحكايات الجميلة التي يلقنوها على مسامعه من الإنجيل.
تنازل في عام 1896 عن هويته الألمانية كي يتهرب من الخدمة العسكرية التي يطالب بها كل شاب ألماني ثم سافر إلى سويسرا: «إن سويسرا تعج بالمثقفين والأهم من ذلك أن لا احد يسأل عن المعتقدات الدينية للآخر» في براغ حين عين أستاذا في الجامعة الألمانية عام 1911 ـ تعرف على الجالية اليهودية التي تعيش في المدينة ومعظمهم شديد التعصب لفكرة إنشاء دولة يهودية حيث ان تيودور هيرتزل كان قد أعلن رسميا آنذاك فكرة تكوين إسرائيل سنه 1897. تعرف اينشتاين على الكاتبين فرانك كافكا ومارتان بيبر وغيرهما. لكن ذلك لم يكن كافيا بالنسبة لألبيرت اينشتاين للانفتاح على مشاكل اليهود والتأثر بها إذ ما زال آنذاك بعيدا عن همومهم ولم يتمكن من استيعاب وضعهم المزري.
كان اليهود يعانون من العنصرية والاستغلال والإهانة من طرف الألمان والتشيك. ولكن حين عاد إلى برلين سنة 1914 وعاين بؤس اليهود الذين فروا من الاضطهاد في بولونيا وروسيا سرعان ما أحس بالوضع وتأثر بأوضاعهم البائسة. كان بعضهم يطرق باب اينشتاين طلبا للمال أو الطعام آو لمساعدة أخرى. تأثر بهذا الوضع وتعجب لانعدام التكافل بين الجالية اليهودية فيما بينها في ألمانيا. وقال مرة لجمعية المواطنين «اليهود الألمان»: «لا أشعر أنني مواطن ألماني وفي الوقت نفسه لا أشعر إني متعلق بالديانة اليهودية». لكن ذلك لم يكن يتعارض مع ما سيقوله لاحقا: «إني يهودي وأفتخر بانتمائي للشعب اليهودي». صرح ألبيرت اينشتاين مرات عديدة انه لا يؤمن بوجود اندماج وانصهار يهوديين في مجتمعه وقال: «إني أبكى دما حين أرى أن عينة من اليهود المثقفة صامتة عن هموم أبناء جلدتهم وكيف أن المدرسة ومقالات الهجاء ورواد الثقافات الأخرى حطموا إحساس الكثير من إخواننا اليهود وداسوا على كرامتهم. لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر هكذا».
التزام اينشتاين بالقضية اليهودية كان من أجل تحسين أوضاع اليهود في الغرب. التقى أينشتاين كورت بلومانفلد في عام 1919 و كان آنذاك رائدا من رواد الحركة الصهيونية المهمينة في ألمانيا. وأعرب له حينها عن رفضه لبروز «نزعة قومية إضافية» لكن بعد تمعّن وتفكير طويلين غيّر رأيه وأوضح: «أنا ضد القومية لكن مع الصهيونية» وبرّر موقفه لاحقا بقوله: «لو لم نكن مرغمين على العيش وسط بشر متعصبين، حقراء وعنيفين كنت أول من سيتصدى لكل نوع من أنواع القومية لأجل القومية الإنسانية الواسعة والوحيدة».
يعتبر اينشتاين يهوديا متأصلا لزمانه تأثر كثيرا بوعد بلفور ـ الذي نص على أنه سيخلق نواة يهودية في فلسطين ـ وأعطاه هذا المشروع كما لغيره من اليهود أملا كبيرا. واعتبر تلك النواة ليس فقط ملجأ لليهود بل فرصة لإحياء الروح اليهودية على حد قوله.
وأولى أينشتاين أهمية كبرى ـ وذلك حتى آخر أيامه ـ على تشييد كلية يهودية في القدس كي تستقطب كل «اللامعين من اليهود» الذين تم تهميشهم من طرف الكليات والمؤسسات العلمية في أوروبا. وكان انخراطه في فكرة بناء المشروع قويا وبات يعمل من أجل تحقيق هدفه إلى درجة انه أوصى في رسالة خطية كتبها للدكتور أتو ناتان أن توضع كل كتاباته ورسالاته في تلك المؤسسة الثقافية. لكن نظرته للصهيونية تختلف إذ يضعها أساسا في اطار ثقافي منفتح أكثر من إطارها السياسي.
رفض اينشتاين في بادئ الأمر آن يرافق «شين فيزمن» إلى الولايات الأميركية المتحدة ثم وافق بعدها وكان «شين فيزمن» آنذاك كيميائيا انجليزيا معروفا بتعصبه لفكرة الصهيونية وأصبح لاحقا رئيسا لإسرائيل من سنة 1949 إلى سنة 1952.وقد وافق على مرافقته في آخر المطاف لتحقيق هدفه لجمع المال من اجل «مؤسسته العلمية». لكن بلومانفلد حذر «ويزمان» ان اينشتاين «لا يجيد فن الخطابة وانه كثيرا ما يتلفظ بسذاجة بأشياء قد تسيء إلى قضيتهم».
كان وايزمان يراقب هذا «الولد المشاغب» اينشتاين: ففي يوم من الأيام، كان أحد المسؤولين الكبار ـ يدافع بشراسة عن الصهيونية ـ ويلقي كلمته في حضرة وايزمان وعدد منهم من الحضور، همس اينشتاين لجاره قائلا عن هذا المسؤول «يا له من حمار»! وفي السياق ذاته، وبعد مداخلة «للقائد الكبير» كما كان يلقب وايزمان صعد اينشتاين إلى المنصة أمام8000 يهودي ثم قال «تكلم رئيسكم الدكتور وايزمان جيدا باسمنا جميعا. اتبعوا كلامه وستنجحون وهذا كل ما لدي لأقوله» أصبح على اثر ذلك مهزلة ليهود الولايات المتحدة ورجع من سفره هذا مسرورا جدا وهو يقول «إني مليء بشعور جميل لأني حققت شيئا جميلا للغاية» وأضاف: «لا أرضى أن استسلم للعبة الإعلام كأي بضاعة تعرض للمزاد العلني».
وبعد سلسلة من الأسفار في عام 1923، توقف أينشتاين في فلسطين التي كانت تحت الاحتلال البريطاني واستقبله حينها الحاكم هيبر صموئيل وقام بزيارة عدد من المدن المهمة من بينها تل أبيب التي «أثرت فيه كثيرا» على حد قوله حيت عاين «جهد ومثابرة المستعمرين وعملهم الهائل» الكل اهتم بمجيء أينشتاين وسارع للقاء به وسماع «النبي» الجديد للشعب اليهودي. صرح أينشتاين بعد ذلك مازحا: «ليس من السهل أن يكون شخص ما الرئيس المختار لشعب مختار». كان أينشتاين واعيا أنه الركيزة الإعلامية الأولى للحركة الصهيونية ولهذا كثيرا ما اضطر لتحمل مسؤوليات أفعال وأقوال لم يكن يؤمن بها.
لم يتوان اينشتاين في سعيه لتشييد مؤسسته العلمية وقد ألقى كلمته في حفل تدشينه الجامعة العبرية على تل سكوبيس ـ ولأن «الحدث في غاية الأهمية» ـ اضطر لإلقائها باللغة العبرية فوجد صعوبة بالغة في التعبير بها ثم سرعان ما أكمل كلمته باللغة الفرنسية تم بالألمانية. وقد عرض عليه أن يستلم منصبا في المؤسسة ويصبح أستاذا في الجامعة لكنه رفض العرض وبرر رفضه بقوله: «ارفض أن اصحب قطعة للديكور في القدس». وقال انه «يفضل أن يستفيد من تلك الجامعة طلبة غير مشهورين يفتقرون إلى المأوى».
اسعد اينشتاين بسفره هذا وكتب يقول لصديقه سلوفين: «أنا معجب بشعبنا المتواجد في فلسطين». سعادته كانت حقيقية وكانت وجهة نظره مستقلة وخاصة به. فالصهيونية كانت بالنسبة له فرصة كي «تساعد اليهود على اكتشاف روح التضامن فيما بينهم كما يجب أن تساعدهم على رفع معنوياتهم» لكنه كان يرفض رفضا قاطعا فكرة إقامة «دولة عبرية لها حدودها وجيشها وسلطتها حتى ولو كانت صغيرة أو مؤقتة» كما كان يتطلع إلى «علاقة صحية مع الشعب العربي». فكل هذا كان بالنسبة لاينشتاين «الهدف السياسي الأهم من وراء الحركة الصهيونية».
في عام 1933 عند وصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا، هاجر اينشتاين إلى المنفى واستقر في برينستون في الولايات المتحدة الأميركية. ولم يتوقف عن مّد يد المساعدة لليهود الذين كانوا يصلون إلى الولايات المتحدة هاربين من تسلط هتلر على شكل موجات بشرية لا تنقطع. انتقد بشدة الانجليز حين نشروا «الكتاب الأبيض» سنة 1936 والذي كانوا يحددون بموجبه هجرة اليهود إلى فلسطين في الوقت الذي كان اليهود مضطهدين من طرف النازية.
وأصبح اينشتاين متأثرا جدا بمصير اليهود ومنغمسا في همومهم وعلى الخصوص حين أعلن عن المحرقة: «لقد قتل الألمان إخواني اليهود وأرفض أي علاقة تربطني بهم منذ الآن». في 14 مايو من سنة 1948 استقبل بفرح عارم مولد الدولة الإسرائيلية. وعند ما استهدفت إسرائيل من طرف العرب قال: «أصبح الآن من المستحيل الرجوع إلى الوراء ويجب علينا أن نصارع ونصمد» وتوصل اينشتاين إلى الاقتناع التالي: «يجب على اليهود أن يعتمدوا على أنفسهم فقط من اجل البقاء في عالم شديد الصعوبة».
اينشتاين... رئيساً
قرر رئيس الوزراء بن غوريون بعد وفاة وايزمان سنة 1952، أن يقترح اينشتاين ليصبح رئيسا لدولة إسرائيل. وقد عرف اينشتاين بذلك الاقتراح الغريب من خلال تصفحه لجريدة نيويورك تايمز في بريستون. وفي غضون دقائق وصلته برقية تؤكد ذلك وكانت الرسالة مختومة باسم آبا ايبن سفير إسرائيل في واشنطن آنذاك. أخد اينشتاين يحوم حول نفسه في بيته في حيرة وانفعال وردد: «انه أمر محرج جدا!» إلا انه رفض العرض وحرر رسالة وجهها إلى السفير الإسرائيلي شارحا وضعه فيها.
وهذا هو نص الرسالة التي كتبها اينشتاين يعتذر فيها عن رفضه استلام منصب رئيس دولة إسرائيل:
سيدي السفير
تأثرت كثيرا بالعرض الذي قدم إلى باسم دولة إسرائيل لكني في الوقت نفسه كنت حزينا وقلقا لأني لا استطيع تقبل هذا العرض. لقد قضيت حياتي وأنا اهتم بعالم الأشياء وحبذا لو كانت لديّ القدرة الطبيعية أو التجربة الكافية للاهتمام بعالم البشر لاحتل منصب رئيس دولة. لهذا ـ وعلى الرغم من أن سني المتقدم لا يمنعني من ذّلك ـ فليس باستطاعتي تحمل مهام مثل هذا المنصب، إنها مسؤولية صعبة بالنسبة لي.
ومما يزيد من ألمي إن لدي ارتباطا عميقا وطبيعيا بالشعب اليهودي وذلك مند أن وعيت بمدى ضعف وهشاشة وضعه بين الدول الأخرى. وفي الوقت الذي نبكي فيه الرجل وايزمان الذي تحمل في ظروف صعبة الكثير من اجل مصيرنا وتحمّل الكثير من أجل صراعنا واستقلالنا، أتمنى من كل قلبي أن يوجد هناك رجل لديه الخبرة والشخصية لتحمل هذه المهمة الصعبة.
يبدو أن حب اينشتاين لتوثيق السلام ونشره هو موضوع الساعة الآن في عالم طغت عليه أحلام التوسع وبناء المستوطنات على حساب شعب آخر.
شاكر نوري


