الحبر: خطوات أصابعنا، حالة من حالات الشهيق والزفير، حيث اليد أكثر من كونها يداً عالقة بنا، والأصابع بدورها تتجاوز خاصيتها الطرفية، إنها اللسان الناطق بينما الحبر فهو صوته المرئي، والسطح المتلقي له مستقره المتعدد الطيات، ونحن نفتتن كثيراً بما نتخيله وقد صار ملء النظر على صفحة هي ساح تصوراتنا الخاصة.

يمكن النظر إلى الحبر من أكثر الزوايا مثالية بلغة مجازية، وهي أنه دم يتدفق داخل جسد حي تكونُه الكتابة!

تُرى كيف يمكن النظر إلى الحبر خارج تصور من هذا النوع؟ وهو الذي يمثل منعطفاً تاريخياً لافتاً، عندما يبرز السائلَ المركَّب في التدشين لتاريخ مختلف، أي إيذاناً بظهور عهد جديد في تاريخ علاقة الإنسان بنفسه وعالمه!

إن القيمة الإبداعية في الحبر ومن جهة الاختلاف بين البشر أمر لا يمكن الاستهانة به إطلاقاً، إنها لحقيقة فاعلة!

بين النقش في الطين والحفر في الحجر، ومن ثم اعتماد الحبر على مستوى أفقي، يكفل بقاء الأثر ذي المعنى، ثمة تاريخ تعددي بمزاياه، لكن الحبر يحتفظ بتاريخ مغاير تماماً عن كل التواريخ السابقة.

وإن كان يمثّل تصعيداً بالقوى السابقة تلك التي أصَّلت وجود الإنسان كونياً، إذ يرتبط الحبر بتلك المعرفة النافذة في الطبيعة، بتفهم أوسع وأعمق للعناصر، وبخاصية الألفة التي يجب أن تقوم بين المادة السائلة والشديدة الأهمية والمادة التي تقبلها، إذ تكون سطحاً لها، أي يكون القرطاس وفيما بعد الصفحة الورقية في تنوع أشكالها، والمكان المناسب للحفظ.

يتراءى الحبر في صفاء مفهومه كأنه منبثق من شريان حيوي عبر الريشة أو القلم، والقلم الذي يعني القصب في أصله لم يكن إلا تمثيلاً مختصراً لكائن نباتي حي، وهو إذ ينساب خطوطاً أو كلمات منتظمة، فعلى قاعدة دقيقة تماماً، لأن ثمة ما يجعل الحبر وهو في سيلانه أثراً يُحتفى به، يجعل ما كان حاضراً إذ تتم استعادة لحظته.

الحبر: خطوات أصابعنا، حالة من حالات الشهيق والزفير، حيث اليد أكثر من كونها يداً عالقة بنا، والأصابع بدورها تتجاوز خاصيتها الطرفية، إنها اللسان الناطق بينما الحبر فهو صوته المرئي، والسطح المتلقي له مستقره المتعدد الطيات، ونحن نفتتن كثيراً بما نتخيله وقد صار ملء النظر على صفحة هي ساح تصوراتنا الخاصة!

ما أكثر ما يتفعل في المداد الحبري، وينبثُّ مزيجٌ لا يوصف من المشاعر والأحاسيس فينا، لكأن الحبر المتشكل سطور مقروءة، أس عالمنا الهائل التنوع أرضاً وسماء، ما اعتدنا قوله، وما نخشى البوح به مباشرة، إنه انتقالنا الدلالي إلى الجانب الأكثر فتنة وإثارة، أكثر من اعتباره وسيطاً، أكثر من رهان يتخلل مادته وكيفية رعايته.

واحد هو الحبر وشديد التنوع من جهة الذين يعتمدونه في الكتابة. إن الجانب الإيحائي فيه لا يحاط بسرّه، لأن ما يؤديه من أدوار، وما يحققه من تمثيل رغبات، وما يمارسه من وصل بين البشر، وجعل الزمن أكثر رحابةَ أفق، هو الذي يضفي عليه ضرباً أثيراً من الغواية المنشودة، يقبَل عليها، وإن تجلى الإقدام هذا محفوفاً بالمخاطر.

ثمة تأكيد للذات وفي مناخ قد يطلق أحدنا العنان لمشاعره طوعه، منغمراً بمتخيَّل الحبر الذي هو تأثيره، فلا يعود يهتمُّ بمن يكون وأين يكون، وما يترتب على هذا الدفق الحبري من انجراف أحياناً في المجهول المهدّد لصاحبه.

لعله الوجه المركَّب للحبر، داؤه ودواؤه المتداخلان، والمبدعون أكثر دراية بجاذبية من هذا النوع، ولكن ما لا يخفى في العلاقة القائمة بيننا وبين الحبر هو أنه يضعنا في مواجهة عالم مختلف، وكلما نمت العلاقة، دلت على تسارع خطى الأصابع، والاطمئنان إليها وكأنها تقوم بدور قيادي لعموم الجسد. إنه سحر الحبر وفيضه المباغت!

راهناً، في وسع المنشغلين بالكتابة ملاحظة العلاقة الحاصلة بين أي منا والحبر، كيف أصبح يمثّل وضعاً رومانسياً إزاء مواجهته بالكتابة الضوئية، أي عبر وسيط كومبيوتري، حيث الحروف المنتظمة في الذاكرة الكمبيوترية وعبر مفاتيح مثبتة هي التي تؤدي المهمة، فيغدو الجمال واحداً، لأن التقانة هي التي تكتسب فضيلة إبراز الأثر.

وليس الأصابع التي كانت تظهر ملَكات حية، وما في ذلك من بهاء التنوع الطبيعي والفردي، ما في ذلك من تنوع جماليات المنظور في الكتابة التي يجلوها الحبر بالذات، والذين لا زالوا يتلمسون في المداد الحبري حضوراً أوفى وأصفى للروح، لا أظنهم مطمئنين إلى ما يجري من حولهم، بقدر ما يكونون على بيّنة من الواقع المتحول بالنسبة للحبر ولسواه.

المنهمُّون بالحبر كتابة أو تفنناً، صاروا أقرب إلى الجانب المتحفي، أو معرّضي أنفسهم للكثير من المضايقات أو تحمُّل الصعاب في الوسط الذي يعيشون فيه. إنه صراع وقد توسعت حدوده، وتنوعت دلالاته، والعملية لا تقتصر على طي صفحة إبداعية يدوية الطابع ومن خلال الحبر، وإنما تقليص مفهوم الإبداع بتغير موقع الجسد ومهام الأصابع، وأفق الرؤية الجامع بين الأرضي: سطح الورقة، والفضائي: متخيَّل المسطور حبرياً. الأصابع هي ذاتها، ولكن الكم مختلف، والأثر الذي يمكن الوقوف على حقيقته ومفعوله الروحي يكون مختلفاً بالمقابل، حيث استعراضيات التقانة تلاحق الواحد منا حتى في أكثر حالاته خصوصية!

إبراهيم محمود